حتى لا ينقلب التصعيد الى توريط في الحرب على داعش
لقد اظهر الأردنيون معدنهم الوطني الأصيل عندما وقفوا وقفة رجل واحد في حزنهم وغضبهم من جريمة داعش النكراء بقتل الشهيد البطل معاذ الكساسبة بطريقة همجية وهو الأسير المحارب ، لقد أرادوا ان ( يشعلوا النار بالأردن ) من خلال ما فعلوا بطيارنا الشهيد لكنهم جوبهوا باصطفاف الجميع خلف الملك والجيش من اجل الانتقام من هذه العصابة ، وعلى أعداء الاردن ان يعلموا بان الاردنيين سيبقون على هذا الاصطفاف خلف دولتهم ونظامهم وقواتهم المسلحة في كل الظروف .
لقد ردت قواتنا الجوية ولا تزال بضربات جوية قوية ضد داعش انتقاما للشهيد وللاردنيين الذين لا ترهبهم الأفعال الإجرامية عندما تصيب أرواح أبنائهم وآمن وطنهم ، لكني اخشى ان يبعث ذلك رسائل خاطئة الى دول التحالف وفي مقدمتها الولايات المتحدة ، مثل الاعتقاد بان التصعيد الاردني (المحسوب ) لعملياته الجوية يشكل فرصة لتوريط الاردن ليكون رأس حربة في مواجهة شاملة على الارض السورية لا يعرف احد متى وكيف ستنتهي . وبالعودة الى كل التصريحات السابقة لجلالة الملك التي تضمنت رؤيا واضحة لدور الاردن في هذه الحرب ولما يجب ان يتعامل فيه التحالف والمجتمع الدولي للانتصار على الارهاب في اطار حلول سياسية شاملة فاني واثق بان الاردن سيحسب كل خطوة يخطوها بما يحمي البلد ويحافظ على مصالحه الوطنية العليا .
هناك خلافات في واشنطن حول الاستراتيجة التي يجب اتباعها في الحرب على داعش ، فالجمهوريون في الكونغرس وعلى رأسهم جون ماكين يطالبون بتدخل بري في سوريا لاعتقادهم بان الغارات الجوية لن تقضي على داعش ، اما إدارة اوباما ومع اعترافها بان الضربات الجوية لا تكفي الا انها تعارض إرسال قوات امريكية ، انها تريد خوض حرب طويلة بالوكالة في الجانب البري بحيث لا يراق فيها دم جندي أمريكي واحد ( موقف اوباما المعروف ) . والخشية ( كما أراها ) ان الطرفين في الكونغرس والبيت الأبيض يتحركون اليوم لإيجاد مقاربة استراتيجية جديدة تستغل ( التصعيد الاردني المنفرد في العمليات الحربية ) من اجل دفع الدول العربية وفي مقدمتها الاردن الى إرسال جيوش عربية مقاتلة الى سوريا تسد الثغرة الهائلة في استراتيجية اوباما الرافضة إرسال قوات برية امريكية .
تحت هذا التفسير قد يكون هدف القمة التي ذكرت الصحف ان الرئيس الامريكي قد دعا اليها في واشنطن في ال ١٨ من الشهر الجاري لوضع خطط جديدة لدول التحالف ومنها الدول العربية واسرائيل ، كما قد تُفهم حماسة جون ماكين الذي طالب الكونغرس بتزويد الاردن اسلحة جديدة وبسرعة .
لا اريد من احد ان يفهم انني ضد هذه الحرب التي يقودها التحالف فبلادي اصبحت جزءا منه ، لكنني اجتهد بهذه الملاحظات :
١- ان يكون التصعيد الاردني في الحرب ضمن تصعيد مماثل وشامل من جميع دول التحالف فالانتقام لا يُسيّر حربا الى مالانهاية ، ما يسيّرها نحو أهدافها هو حشد التحالفات وإعداد القوة اللازمة للانتصار وهي جميعها اكبر من قدرات الاردن وحده ومن وطاقته وموارده ، ان الحرب ضد تنظيم إرهابي يغطي مساحات واسعة من سوريا والعراق هي اصعب بكثير منها لو كانت حرب جيوش مقابل جيوش .
٢- يجب استغلال حالة الغضب والانتقام اللتان أظهرهما الاردن قيادة جيشاً وشعبا للضغط على التحالف من اجل وضع استراتيجية جديدة وشاملة يشارك فيها الجميع حسب قدراته العسكرية والمالية ويكون غايتها وهدفها الرئيس ، بان يرافق العمل العسكري إصرار وجهد والتزام من الدول الكبرى على وضع حلول سياسية تقود الى إقرار السلام والاستقرار في سوريا والعراق ، حلولا تضع حدا للتدخلات الإقليمية والدولية الإيرانية والأمريكية والروسية والتركية التي وطنت الحروب الميلشياوية في العراق وسوريا وشكلت حاضنة وبيئة لا تنضب لقوى الارهاب التي باتت تهدد المنطقة بأسرها .
لقد اصبح من الضروري وضع استراتيجية بمضامين سياسية وعسكرية وحقوقية لهذه الحرب بحيث يتفهم الشعبان العراقي والسوري دوافعها كي تصطف الشعوب العربية خلفها من اجل دحر الارهاب بكل أشكاله ، مثل هذه الاستراتيجية تجفف الارهاب وتنتصر عليه عندما يشعر العربي بان التحالف يخوض الحرب من اجل عراق موحد تسوده المساواة بين مكوناته في الحقوق والواجبات وليس من اجل استراتيجية تخدم مخطط كردستان للتوسع بحجة ( حدود جديدة نرسمها بالدم ) كما صرح البرزاني ، او لخدم مخططات ميليشيات ايران التي بافعالها جعلت لداعش دولة ونفوذ باستغلال حالة السخط وعدم الاطمئنان التي سادت بين أوساط سنة العراق .
وبالنسبة لسوريا مطلوب وصع حد لهذه المأساة المروعة التي يتعرض لها الشعب السوري منذ ٤ سنوات ، واذا كان المجتمع الدولي سيظل واقفا وعاجزا امام استمرار عجلة القتل التي حصدت ٢٥٠ الف قتيل وشردت ٨ ملايين لاجئ ، وإمام مدن سورية كلها ( كوباني ) فان عمليات التحالف ستفسر بانها إصرار على إطالة الحروب في سوريا . ان كثيرا من الناس في هذه المنطقة يرددون بقناعة بان داعش صناعة امريكية اسرائيلية ، هدفها تقسيم المقسم من الاوطان العربية ، ويتساءل هولاء الناس لماذا هذا الاهتمام فقط بكوباني وليس بعشيرة الشعيطات في دير الزور التي ذبحت داعش منها ٧٠٠ رجل في أسبوع واحد وهو ما حدث لعشيرة البونمر العراقية الذين قتل منهم ( ٥٠٠ ) رجل في تصفيات جماعية ، والعشيرتان من السنة .
مطلوب من المدعوين العرب الى قمة واشنطن ( ان صح خبر انعقادها ) ان يطالبوا بهذه الاستراتيجية التي تقول : اذا أرادت امريكا وأوروبا ان تحسم الحرب ضد الارهاب بارسال قوات برية الى الرقة فلتكن هذه القوات امريكية اولا ، لان من وضع بذور هذه الفوضى الغارقة بالدم والإرهاب هو الغزو الامريكي للعراق الذي قال عنه اوباما ( بانه لم يكن ضروريا ) . فليصلحوا أخطاؤهم بإنقاذ امن واستقرار المنطقة التي راح ضحيتها في العراق بشكل خاص اكثر من مليون قتيل اثناء احتلال لم يكن ضروريا ، وفي بلد لم يكن فيه قاعدي او داعشي واحد ولا برنامج نووي او كيماوي في سلسلة الأكاذيب المعروفة .
واذا أرادت امريكا ان تكسب الحرب ضد داعش والإرهاب فعليها ان تعيد الاحترام لدورها كقوة اعظم واجبها اصلاح ما أفسدت و صنع السلام بالمنطقة مثل ان تبدأ بالموافقة على قرار مشروع إقامة الدولة الفلسطينية خلال ٣ سنوات ( التي أحبطته في مجلس الامن ) وان تضع ثقلها من اجل إنجاح اتفاق جنيف ١ الخاص بخطوات الحل السياسي للازمة السورية .
واذا كانت امريكا لا تريد إرسال قوات برية ، مع انها حربها بالأساس ، ولا تريد إقامة السلام في فلسطين بانحيازها المطلق لإسرائيل ، واستمرار تجاهلهاالمتعمد للتمدد الايراني في سوريا والعراق واليمن ، من اجل حلم اوباما بان يختم عهده بإنجاز اتفاق تاريخي مع طهران حول ملفها النووي فان الحال في المنطقة سيزداد من سئ الى اسوأ وبما يطيل عمر الارهاب ويعقد مسيرة الحرب ضده.
[email protected]

