صحيفة الكترونية اردنية شاملة

أي شعور مؤلم؟!

0

أطلقت السلطات المصرية، أمس، سراح الصحفي الأسترالي بيتر غريستي، الذي كان قد حكم عليه بالسجن 7 أعوام، مع صحفيين آخرين في محطة “الجزيرة”؛ بعضهم غيابيا، واثنان آخران مصريان ما يزالان في السجن. وجاء قرار إطلاق سراح غريستي بأمر من الرئيس عبدالفتاح السيسي، وفقاً لوكالة أنباء “رويترز”.
لن يعجز المتابعون عن إدراك أنّ السبب الرئيس وراء إطلاق سراح غريستي، بعد قرابة 400 يوم في السجن، دون الصحافيين الآخرين، هو أنّه استرالي. ولعلّ جنسية الصحفي الآخر محمد فهمي، المزدوجة، إذ هو مصري وكندي، هي ما يجعل من حظوظه أقل من غريستي، إلاّ إذا نجح في إسقاط الجنسية المصرية قانونياً، لتتم معاملته بوصفه كندياً. أمّا الصحفي الثالث المصري المحكوم، باهر محمد، فهو، للأسف، لا يحمل جنسية أجنبية، ولا يقف وراءه “فريق دبلوماسي”، ولا دول ولا حكومات تطالب بإطلاق سراحه، فهو مصري فقط!
هل ثمّة شعور أكثر قسوة من ذلك؟! أليست هذه هي الرسالة المباشرة السريعة الواضحة السافرة التي تنطبع مباشرة أمام أعين الجميع بالإفراج عن الصحفي الاسترالي والإبقاء على المصريّين؟! هل يوجد أمر مخجل على وجه الكرة الأرضية أكثر من هذا في طريقة معاملة الدولة لـ”مواطني(ها)”؟! أيّ فضيحة كبيرة تلك!
الفضيحة الأخرى، والتي لا تقل سوءاً عن السابقة، تتمثّل في أنّ قرار السيسي بالإفراج عن الصحفي الاسترالي، دون المصريين، يعكس حجم التلاعب الكبير بالقضاء والأحكام القضائية، ويؤكّد أنّ هذا القضاء فقد أي قدر من الاحترام والاستقلالية.
عند ذلك، ليس أمراً غريباً ولا عجيباً أن تُصدر محكمة مصرية في توقيت هجوم سيناء البربري الأخير على الجيش المصري، أحكاماً باعتبار كتائب عزالدين القسام، التابعة لحركة حماس، منظمة إرهابية، بينما تُصدر محكمة الاتحاد الأوروبي قراراً بتجميد قرار الاتحاد اعتبار “حماس” حركة إرهابية!
هل التعامل مع غريستي أمر مغاير خارج السياق القائم في مصر والعالم العربي؟ الجواب لديكم، فأنتم من تعاينون وتعايشون ذلك. فقط أذكّركم بحادثة اعتقال الصحفي الفرنسي آلان غريش، في القاهرة لمدة ساعتين، قبل فترة وجيزة، حتى تدخلت السفارة الفرنسية فوراً، وتم إطلاق سراحه والاعتذار له. وليست القصة الحقيقية هنا، بل بيت القصيد أنّ غريش رفض الخروج من الاحتجاز إلاّ ومعه الصحفية والطالبة الجامعية المصريتان اللتان اعتقلتا معه، لمجرد أنّهم كانوا يتحدثون في مقهى عام عن الشأن السياسي. لكن تصوّروا معي لو أنّ هذا الصحفي الفرنسي لم ينتبه إلى الفتاتين المسكينتين؛ ستكونان حتى الآن في السجن تحت وطأة التعذيب والقهر وطائلة تهمة الإرهاب، مثل آلاف المصريين اليوم.
مثل هذه المفارقة التقطها الكاتب المصري بلال فضل، قبل قرابة عامين، في مقال له بعنوان “أهمية أن تكون ألمانياً”، وهو يعرض لرواية صحفي ألماني تعرّض بالخطأ للاعتقال وأمضى ليلة في زنازين الشرطة، وقدم شهادة مرعبة عما يحدث هناك. ولولا أنّه ألماني، لما نجا من الضرب والتعذيب وتهمة الإرهاب.
ثمّة كذبة كبيرة يجري تسويقها فقط لخدمة الأنظمة السلطوية، عبر تخويف الشارع والمواطنين من الديمقراطية، بغرس معادلة خاطئة لديهم تربط ما بين الديمقراطية والفوضى من جهة، والسلطوية والأمن المغشوش من جهة أخرى. والرسالة المخجلة من وراء ذلك تتمثّل في أنّ المعايير الحقوقية والديمقراطية لا تتناسب مع مقاس المجتمعات العربية.
تذكرنا هذه الفواجع التي نراها بالفيلم العربي الجميل لأحمد حلمي “عسل أسود”، إذ انتهى به المقام إلى إلقاء جواز سفره المصري والإمساك بالأميركي بوصفه حبل النجاة في التعامل مع الأنظمة العربية. وهو الشعور الذي كنا نتمنى أن نتخلص منه مع الثورات العربية، لكنه مع ما يحدث من ردّة سلطوية يتعزز ويتجذّر!
الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.