صحيفة الكترونية اردنية شاملة

دعهم يتقاتلون

0

لك أن تتخيل أن زعماء شركات تصنيع الأسلحة يتسامرون مع كبراء زعماء النفط في أمريكا، حول البحث عن أسواق لمنتجاتهم حيث يجب أن يتوازى حجم الاستهلاك مع حجم التطوير الهائل الذي يطرأ على السلاح الأكثر قدرة على القتل، والأشد فتكاً بالبشر، مما يجعلهم يعملون في خطين متوازيين، الخط الأول العمل على الشخصيات الحزبية وكيفية وصولها إلى مراكز القرار، وأولها مقعد الرئاسة الأعلى، من أجل العمل على تنفيذ قناعات محددة في هذا السياق، مقابل الدعم المالي والمادي الكفيل بصناعة القدرة على المنافسة، والخط الثاني يتمثل بالقدرة على صناعة الأزمات، وافتعال الحروب واشعال الخلافات ، وتأجيج نوازع الفرقة واذكاء العصبيات، وفينا ومنا سماعون لهم.
لك أن تتخيل العقود الكبرى التي تم إبرامها مسبقاً منذ لحظة الاتفاق على حرب القرن -الحرب على الارهاب- والتي تقدر بمئات المليارات بل آلافها، وهذه الصناعة يدور في فلكها مئات الصناعات الأخرى التي تشترك معها في الهدف والمصلحة والتسويق، بعضها على صعيد أمني وبعضها على صعيد إعلامي، وبعضها على صعيد النقل، على مستوى البر والبحر والجو، وما يتبع ذلك من نخب سياسية وحزبية وشبكات معقدة لا نهاية لها ولا عد ولا حصر.
قرار أوباما بالانسحاب من أفغانستان والعراق لا يتعارض ولا يتناقض مع هذه النظرية، لأن الانسحاب الأمريكي لم يوقف طاحونة الحرب، بل أدى إلى تفريخ مجموعة كبيرة من طواحين القتال والحروب، مما أدى إلى توسيع أسواق استهلاك السلاح، وأدى إلى خلق مزيد من الشعور الملح لدى كثير من الأطراف بتوسيع دائرة الشراء وتعزيز الترسانة العسكرية لمواجهة العدو المصنوع على عين، والمتضخم والمتعدد الوجوه والأشكال.
لذلك نستطيع أن نقرأ عنوان الاستراتيجية المتفق عليها لدى صانعي القرارات الدولية على مستوى العالم، التي تتلخص بـ (دعهم يتقاتلون)، يقولها أحدهم وهو ينفث دخان غليونه، ويثني على كلامه المقابل وهو يهز رأسه وليفني بعضهم بعضاً، لكن المسألة تحتاج الى تنظير وإعلام وإخراج، وامتلاك القدرة على مراقبة الحرائق وضبطها، وزيادة وسائل الأمان في التعامل معها ضمن مناطق محدودة.
بعد خلع القذافي، والاتجاه نحو خارطة طريق، بإيجاد مجلس تأسيسي وحكومة انتقالية تهيىء لمرحلة جديدة، نجد أن الأمور عادت جذعة، وتم هدم كل الخطوات المؤدية إلى بعض الاستقرار، وتم ضخ المال، وإيجاد العصابات وإذكاء الخلافات التي أطاحت بكل شيء، ولا تفسير لما يحدث إلّا من خلال الوقوف على شعار (دعهم يتقاتلون).
في مصر بعد إجراء خمس انتخابات واستفتاءات على الدستور والرئيس ومجلس الشعب ومجلس الشورى، عادت الأمور إلى نقطة الصفر من جديد، وتم إثارة كل مكامن التوتر والاستفزاز داخل البيت المصري، ولا تفسير لما يجري إلّا من خلال الوقوف على قول (دعهم يتقاتلون)!
في اليمن ثار الشعب وانتفض ، وخلع الرئيس، وتم التوافق على رئيس جديد، ومرحلة جديدة تهيىء للاستقرار المأمول، ولكن نجد أن هناك محاولات ناجحة استطاعت قلب القدور، وتأجيج الصراعات من كل لون ومن كل بقعة واستدعاء لكل ثارات التاريخ اليمني، وتم العودة إلى الصفر مرة أخرى، ولا تفسير إلّا أن هناك من يحرك الأمور ويقول : (دعهم يتقاتلون)!
نموذج دعهم يتقاتلون يكاد يصبح فلسفة في كل الأقطار العربية، وعلى كل ساحاتهم الكبرى والصغرى، وتم تطبيقه في العراق وسوريا بنجاح قبل ذلك، وهناك أقطار أخرى مرشحة للولوج في المحرقة، ونجد أحياناً تقليداً واضحاً ومتعمداً في مجتمعاتنا الداخلية لهذا النموذج، فنجد نهما للخلاف واستمتاعاً في الامعان في تدمير الذات، بوعي وعن سابق عمد وإصرار وترصد، والعاقل من اتعظ بغيره والجاهل من سعى الى حذفه بظلفه.
الدستور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.