مقومات الاصلاح المالي المطلوب
كل عمليات الاصلاح المالي في الدولة كانت مرتبطة ببرامج صندوق النقد الدولي التي ارتبطت بها المملكة منذ العام 1989 وحتى 2004، وبعدها تركت عملية تسيير الإدارة الاقتصادية للحكومات التي بدأت تسرح وتمرح بادارة الاقتصاد الى ان اوصلتنا الى النفق المظلم، الذي تعيشه خزينة الدولة من كابوس العجز والمديونية الكبيرين.
للأسف الاردن لم يطبق اية برامج اصلاحية مالية وطنية، وكل البرامج التي تم الالتزام بها هي برامج موقعة مع الصندوق ومراقبة المانحين، لذلك كان التنفيذ والالتزام ببنود هذه البرامج يسير وفق المخطط.
اما البرامج المحلية، سواء كانت خططا او حتى قوانينا، فالفوضى هي السائدة في التعامل معها، ولم يلتزم بها، وكانت السلطتين التنفيذية والتشريعية متشاركتين في تجاوز تلك القوانين والانظمة والخطط، وكاننا نقول لانفسنا: “إننا لا نسمع ولا نلتزم سوى بالبرامج المفروضة علينا من الخارج، اما الخطط المحلية فلا يوجد ما يلزمنا بتنفيذها، طالما انها بعيدة عن رقابة المجتمع الاقتصادي الدولي”.
قبل الخوض في تفاصيل اية برامج اصلاحية يقتضي الامر النهوض بمقومات الاصلاح الاساسية، واولى هذه المقومات اعادة الثقة الى الخطاب الاقتصادي الحكومي، الذي ارتكز في السنوات الماضية على الاعتداء على جيوب المواطنين وايرادات القطاع الخاص، واغفل التنمية الحقيقية.
مقومات الاصلاح المالي تتطلب فرق عمل متجانسة فكريا، ووحدة الهدف المالي المنبثق عن برنامج اقتصادي تلتزم به كافة الحكومات والبرلمانات، ولا يعقل ان تقوم حكومة باصلاح مالي في اقتصادها وفريقها الوزاري وهو في حالة خصام بين أعضائه، والكل يتهم الاخر بالتقصير والتآمر عليه، كما هو حاصل بين وزراء الاقتصاد في حكومة النسور.
الارتقاء بعملية الاصلاح المالي تتطلب من الحكومة الاعتراف باخطائها وانها عاقدة العزم على تصويب تلك السياسات التي اتخذت وقت ازمة النفط، وهنا فان الامر يتطلب من الحكومة التوقف عند المديونية والكف عن الحديث السخيف الذي تبثه بين الحين والاخر حول ان المديونية في عهدها لم تزد بمقدار خسائر شركة الكهرباء والمياه، التي لم تتجاوز خسائرها في السنوات الخمس الاخيرة، وتحديدا منذ بدء انقطاع الغاز المصري في اواخر عهد حكومة البخيت الثانية، بما قيمته 5.5 مليار دينار، في الوقت الذي زادت فيه المديونية في عهد حكومة النسور باكثر من 8.3 مليار دينار.
على الحكومة أن تعترف ان فرضيات الموازنة العامة خاطئة ولا يجوز الابقاء عليها بهذا الشكل الفاضح، الذي يثبت جهل القائمين على السياسة المالية، كل دول العالم قدرت ميزانياتها بناء على اسعار نفط واقعية تقل عن 60 دولارا للبرميل، في حين ان حكومتنا الرشيدة تصر على انه 100 دولار، لتبقى قراراتها وسياساتها فيما يتعلق بالرفع والجباية على حالتها السابقة.
والحكومة التي تتباهى بانها لم تصدر اية ملاحق للموازنة، عليها في البداية ان تدفع مستحقات المقاولين والاستثمارات وشركات الادوية والمصفاة والضمان، والتي تقدر جميعها باكثر من 500 مليون دينار، وان لا ترحلها وتقول بعد ذلك إنها لن تصدر ملاحق للموازنة.
الاصلاح المالي المنشود يحتاج من الحكومة شفافية في التعامل مع الارقام، وعدم التلاعب بها، ومجلس النواب مطالب هو الاخر برفع سويته الرقابية المالية على الحكومة وعدم الاكتفاء بخطابات الموازنة التي يستغلونها لشتم الحكومة، فالرقابة تحتاج الى يقظة ومعلومات ما تزال الحكومة تحتكرها.
[email protected]

