محاكمة الضحية مع الجلاد..!
الكثير من المعلقين والساسة حذروا الفلسطينيين من مغبة توقيع أوراق الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية، مع أن ذلك كان مطلباً أوصى به آخرون طويلاً. وبالإضافة إلى التخويف من رد العدو الوحشي نفسه، ذكر المحذرون احتمال محاكمة الفلسطينيين أيضاً على ارتكاب “جرائم حرب” و”قتل مدنيين” في حق الاحتلال ومستوطنيه. ويبدو المشهد سوريالياً، كالعادة، لأن هذه المخاوف تعبر عن النظرة الدولية الرسمية أيضاً للفلسطينيين، كنظراء لمحتليهم، وإغفال الحقيقة الأساسية التي صنعت هذا الصراع كله: لم يذهب الفلسطينيون إلى بلد أحد ليعادوه ويقتلوا ويشردوا مدنييه، وإنما جاءهم العدو بمصائبه إلى بيوتهم، بنية طردهم جميعاً أو قتلهم جميعاً –لا فرق. وهم، قاتلوا من أجل بقائهم بالقليل المتاح لهم، فحسب.
ما يحصل في الأمم المتحدة، التي وهبت جزءاً كبيراً من أرض الفلسطينيين التاريخية للصهاينة بقرار التقسيم المعزول عن كل سياق، والتي ترفض الآن الاعتراف بـ”فلسطين” الجديدة المختصرة إلى حد مهين، وما يحذرون منه بخصوص المحكمة الدولة، كلها تعيد الفلسطينيين إلى قاعدة أنهم لن يحصِّلوا إلا ما يجنيه لهم عرقهم وكفاحهم. وإذا كانت العقوبة على قدر الجريرة، فإن حق الفلسطينيين في المحكمة الدولية أن لا يُحاكموا على أي شيء، وبتحكيم نصوص القانون الدولي المتعلقة بنقل مدنيي الطرف الغازي إلى الأراضي المحتلة، وحق الشعوب المحتلة في المقاومة. وإذا كانت الولايات المتحدة تجمع تحالفاً دولياً لتحرير الكويت من العراق بالقوة المسلحة في طرفة عين، ولا تفعل أي جهة في العالم شيئاً لطرد الغزاة –حتى مما تعتقد أنه محتل- طوال عقود، فإن مقاومة الفلسطينيين غير المتكافئة ليست إبادة جماعية، ولا تطهيراً عرقياً، ولا تمييزاً عنصرياً ولا تشريداً لأحد –كما يحدث لهم.
من البدهي في عالَم بلا عدالة أن الأقوياء لا يُحاكمون ولا يجرّمون، ولا يستطيع من هو أضعف منهم أن يأخذ منهم حقاً. ولذلك، تمس الحاجة إلى مراجعة كيفيات العمل الفلسطيني بعد فشل التكتيكات السابقة. وقد لفتني اقتراح للإعلامي البريطاني المناهض للصهيونية والمتحمس للقضية الفلسطينية، ألان هارت، في مقال حديث. وفيه يقدم اقتراحات لهذه المرحلة، تتجاوب مع مناشدة الكثير من الفلسطينيين والمتعاطفين، والتي تتلخص فيما يلي:
أولاً: حل السلطة الفلسطينية، وإعادة كلفة الاحتلال إلى الاحتلال. ويعتقد هارت أن السلطة الفلسطينية حملت عن الكيان الكثير من أعبائه بتوليها المسؤولية عن المناطق الفلسطينية. وجراء ذلك، تعاني السلطة وهي تحاول استجداء الأموال والمساعدات لصيانة البنية التحتية، وتوفير الوظائف والرواتب وإدارة المؤسسات. وبسبب امتلاك الاحتلال وسائل إحباط عمل الاقتصاد الفلسطيني وتطويقه بحيث لن يكون معتمداً على نفسه أبداً، تضطر السلطة ببساطة إلى مقايضة المواقف والمصالح الوطنية الفلسطينية بنقود الأميركان وبعوائد ضرائبها التي يتحكم بها الكيان. وفوق ذلك، تتحمل السلطة عبء قمع المقاومة الفلسطينية وحفظ أمن الاستيطان. وبأي حساب للأرباح والخسائر، اقتصادياً وسياسياً، ستكون إعادة تسمية الاحتلال باسمه وصفته أجدى بمعظم المقاييس.
ثانياً: يقترح هارت شيئاً طالما دعا إليه الذين يغارون على القضية الفلسطينية باعتباره ضرورة وجودية لحركة التحرر: إشراك كل عناصر المجتمع الفلسطيني في الرأي والعمل، وخاصة الشتات الفلسطيني الكبير الذي تم تهميشه تماماً بفعل السياسات غير المفهومة الأخيرة. ويرى هارت أن الوسيلة لإغناء الرأي الفلسطيني واستثمار طاقاته تكمن في إعادة إحياء المجلس الوطني الفلسطيني، بإشراك ممثلين نزيهين عن كافة المجتمعات الفلسطينية في الشتات والداخل، ومن كل المشارب. وسيكون هذا المجلس برلماناً فلسطينياً يضع السياسات ويراقف تنفيذها بحيث لا ينفرد أحد بسلطة التقرير نيابة عن الفلسطينيين.
ثالثاً: تفعيل المقاومة السلمية في فلسطين المحتلة التي تكون قد أعيدت إلى وضعية الاحتلال الواضح بدل الاحتلال المتخفي. وقد يكون ذلك بإقامة المسيرات المنظمة الصامتة المتكررة، التي تعبر عن نفسها بشعارات مكتوبة يتعاطف معها العالم. وفي كل الأحوال، يتوقع هارت اشتداد القمع الصهيوني للفلسطينيين، لكنه يرى أن القمع بهذه الشروط سيفاقم عزلة الاحتلال ويعريه ويحرج الضمير العالمي.
ينبغي الاعتراف بأن السياسات الفلسطينية الأخيرة لم تحقق شيئاً لحرية الفلسطينيين ولا لأمنهم، باعتبار أنه لا أمان لشعب بلا وطن من الأساس. ولذلك، ليس أنسب من هذه الأوقات للانفتاح على مثل هذه الاقتراحات التي طال تجاهلها.
الغد

