أحلام وكوابيس
اما الأحلام فقد اندثرت وأما الكوابيس فقد انتشرت، واقصد هنا بالأحلام، ماضي الوعي القومي عندما كان العربي يجتمع مع العربي الآخر من المشرق او المغرب فلا يتحدثان الا عن حلم الوحدة من المحيط الى الخليج.
وأقصد بالكوابيس ما يتعرض له حاضر الوعي (القومي والوطني والديني) من غزو ممنهج لثقافات وعقائد وفتاوى هي اشد رعباً من الكوابيس .
خطاب الأمة المتداول كان ومنذ ظهور الدولة القطرية يدور حول الوحدة العربية ومواجهة اسرائيل وتحرير فلسطين، ودراسة ما يمكن عمله وما لا يمكن لحماية الامن القومي والدفاع عن مصالح الامة . لم تكن هذه أحلاما ، انماخطاب قومي تنازعت على تبنيه حكومات وأحزاب . هذه الأحلام دفنت منذ استشراء (هوى السلطة والتسلط ) عند زعامات عربية اختصرت مصالح العرب ومستقبلهم بشخوصها وكراسيها وعائلاتها.
من افشل الاتحاد بين الدول العربية انظمة خطفت احلام الأمة عندما زعمت انها راعية القومية العربية وبان همها هو تحقيق الوحدة وتحرير فلسطين ، واذا بها تقوض الوحدة الاندماجية بين مصر وسوريا ، ثم فشلت في إقامتها بين سوريا والعراق رغم ان من حكم هذين البلدين لعدة عقود ينتمون الى حزب البعث صاحب شعار ( أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ) .
لقد سقطت القومية بنسختها القديمة سقوطا مدويا عندما قادت مصر ، الدول العربية الى هزيمة حزيران المذلة ، لتتخلى فيما بعد تحت قيادة السادات عن العهود التي رفعها عبد الناصر عشية الهزيمة ” بازالة آثار العدوان وبان لا صلح ولا مفاوضات ولا اعتراف بإسرائيل ” عندما عقدت صلحا منفرداً أخرجها من خريطة الصراع المركزي والوجودي في فلسطين ، وتركت الاراضي العربية التي أحتلت في الحرب المذكورة ( طاع غزة ،القدس ،الجولان ) في يد اسرائيل ، اما سيناء ( المحررة ) فقُدمت كنموذج لأي ( سلام ) مستقبلي بين العرب واسرائيل ، نموذج يجعل السلام مستحيلا على الأقل في فلسطين .
وتجسد السقوط الأكبر للقومية بما زعم وكلاؤها من إنجازات في إقامة (الدولة القطرية و الوطنية ) وما كانت الا انجازات في إقامة الدولة الأمنية، التي جردت شعبها من حقوق المواطنة ( المرادفة للمساواة والحرية والكرامة ) ، وحولته الى جماعات مسيرة مسلوبة الارادة ، لا وظيفة لها الا خدمة سدنة الديكتاتورية والاستبداد .
لقد أجهضت الدولة الأمنية التي أقامها (الحكام القوميون ) احلام الأمة بالحرية والوحدة ، ليحل محلها شعور عام بالفراغ والضياع تفشت خلاله مشاعر الاغتراب عن الاوطان، ودب الوهن في الانتماء الى وطنية جامعة، ويتم اليوم تدريجيا التخلي عن هوية الأمة .
وعلى أنقاض السقوط القومي وفي مناخ الدولة الأمنية دخل الى المشهد السياسي والاجتماعي البائس ، أيديولوجيات ( اسلاموية ) مشتته ومتصارعه ومتناقضة تريد استبدال وحدة الدولة – الامة العربية التي رفعها القوميون بوحدة ( الأمة الاسلامية ) الساعية الى إقامة دول وإمارات تقوم على الفتاوى وليس على التشريعات الدستورية لينتهى الامر، كما نشاهد ، الى تضارب وتناقض الفتاوى ، وكل فتوى أنجبت لها تيارا جهاديا خاصا بها، لا يجمعه مع مثيله الا اتخاذ الارهاب وسيلة للإعلان عن وجوده .
وسط هذا المستنقع الآسن من الوعي الضال جاء الربيع العربي وقد افتقر الجسد العربي الى اي قدرة على التماسك والنهوض . فغاب العقل وانتشرت حروب الهويات والطوائف ، وظهرت السكاكين ، لا لتجز الرؤوس فقط انما لتقتل الأحلام .
ومن النتائج المباشرة لهذا الوضع ان دبت الحياة من جديد في الدولة الأمنية القديمة حيث نجحت في إجهاض الربيع العربي مستغلة ما تشيعه من قلق وخوف ممارسات ( تنظيمات جهادية ) تمزق الشعوب بالتكفير وتدمر الاوطان بالفتن لتقيم على اطلالها (حارات امنية) تتفوق في وحشيتها على كل ما روته أدبيات الزنازين وشهادات المعتقلات ).
كما نشهد اليوم قيام تحالف غير مكتوب ، بين انظمة الاستبداد وبين هذه التنظيمات ، ليس فقط في حملات التصفية والإعدامات والاعتقالات ضد عشرات الآلاف من المدنيين انما في التلاقي بينهما على استدراج جميع الدول الغربية والشرقية الى حروب طويلة تعيد توطين الجيوش الأجنبية في العالم العربي وكأننا امام بداية عصر جديد من الاستعمار المباشر.
[email protected]

