مسيرة باريس المناهضة للإرهاب . . هل من ضرورة للمشاركة؟
قبل الإجابة على هذا السؤال لابد لي من التذكير بتعريف الإرهاب وإلقاء الضوء على حيثياته وتاريخه بصورة موجزة ، لكي ننطلق بعد ذلك إلى تقييم تلك المسيرة والتعرف على نتائجها . فمن المعروف أن ليس هناك تعريفا موحدا تعتمده دول العالم. ولكن الولايات المتحدة الأمريكية اعتمدت التعريف التالي : ” الإرهاب هو التهديد باستعمال العنف أو استعمال العنف فعليا لتحقيق أغراض سياسية ، من قبل أفراد أو جماعات سواء كانت تعمل لصالح سلطة حكومية قائمة أو تعمل ضدها ، بقصد إحداث صدمة أو رُعب لدى المجموعة المستهدفة ، ويكون تأثيرها عادة أوسع من دائرة الضحايا المباشرين للعمل الإرهابي”.
والإرهاب قديم قدم التاريخ الإنساني فلم تسلم منه المجتمعات البشرية في مختلف الحقب والمناطق. وقد يحدث ذلك على شكل اغتيالات سياسية ، أو هجوم على مؤسسات أو جماعات بشرية ، أو تدمير منشاءات أو احتجاز رهائن . وقد عانى الأردن من هذا الوباء منذ أوائل الخمسينات وحتى الآن ، حيث واجه حوادث اغتيال عديدة منها على سبيل المثال : اغتيال رئيس وزراء لبنان رياض الصلح أثناء زيارته إلى عمان عام 1951 ، اغتيال الملك عبد الله الأول على مدخل الحرم القدسي الشريف عام 1951 ، اغتيال رئيس وزراء الأردن هزاع المجالي في عمان عام 1960 ، واغتيال رئيس الوزراء الأردني وصفي التل في القاهرة عام 1971 عليهم رحمة الله جميعا .
وفي عقدي السبعينات والثمانينات الماضيين واجه الأردن موجة إرهابية خطيرة ، نفذتها بعض المنظمات معتمدة أساليب خطف الطائرات التجارية ، واغتيال أو احتجاز بعض موظفي السفارات الأردنية في الخارج ، وتفجير بعض فنادق عمان ، متبوعة بمحاولة الهجوم على دائرة المخابرات الأردنية .
تلك الحوادث فرضت على الأردن أن يكون في طليعة الدول التي تحارب الإرهاب الذي تبنته منظمات وجماعات إرهابية حملت شعارات وطنية زائفة . وتطورت عمليات الإرهاب بعد أن لبست ثوبا جديدا باسم الإسلام ورفعت شعار الجهاد لمحاربة الكفار في افغانستان . ثم تمددت نشاطاتها لاحقا لتشمل بقاعا مختلفة من دول العالم ، حيث تولى تنفيذها متطرفون يكفّرون من لا ينضوي تحت رايتهم ، مهما كانت ديانته أو توجهاته الفكرية والعقائدية .
ضرب الإرهاب أبراج التجارة العالمية في الولايات المتحدة ، وقام بالعديد من التفجيرات في جنوب شرق آسيا وفي الشرق الأوسط وأماكن أخرى من العالم . وها هو اليوم يعلن قيام دولة إسلامية ـ غير معترف بها ـ برئاسة البغدادي في العراق والشام ، فراحت تجزّ الرؤوس وتشرد السكان المدنيين وترتكب شتى الموبقات تحت ستار الدين الإسلامي وهو منها براء .
في عام 2004 بادر الأردن بإصدار ” رسالة عمان ” التي تدعو إلى الاعتدال والتسامح والوسطية بعيدا عن التطرف والعنف ، وجرى تعميمها على الدول العربية والإسلامية في محاولة لنشر معاني الإسلام الحقيقية ، التي تحارب الفكر التكفيري والمتطرف الذي يسيء لرسالة الإسلام الإنسانية وشرائعها العادلة .
إلا أن بعض الصحف والجماعات المتطرفة في دول الغرب أخذت ترفع شعارات وتطرح مقالات مسيئة للإسلام ولرموزه الدينية . كان آخرها ما ورد في صحيفة ” تشارلي أيبدو الفرنسية ” التي أمعنت في إساءاتها المتكررة للدين الإسلامي وإلى الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام . فكان رد الفعل على ذلك أن تعرضت الصحيفة لهجوم مسلح نفذه ثلاثة مواطنين فرنسيين مسلمين ، أدي لمقتل 18 شخصا بينهم بعض كبار موظفي الصحيفة .
استنكر العالم ذلك العمل الإرهابي واستجابوا لدعوة الرئيس الفرنسي هولاند في المشاركة بمسيرة نظمتها الحكومة الفرنسية داخل العاصمة الفرنسية باريس ، شارك بها 40 زعيما من مختلف دول العالم ، كان من بينهم جلالة الملك عبد الله الثاني . ولا أعرف من الذين أشاروا على جلالته بالمشاركة شخصيا في هذه المسيرة ، هل هم مستشاروه الجدد أم غيرهم ؟ فمن المؤكد أن تلك المشورة قد جاءت في غير محلها ، ، وذلك للأسباب التالية :
1. إن موقف الأردن من الإرهاب واضح للعيان منذ عقود طويلة ولا يحتاج إلى تأكيد ، لا سيما وأنه مشارك حاليا في عمليات التحالف ضد الإرهاب الذي تقوم به ما تسمى ” بدولة العراق والشام ” .
2. إننا نربأ بجلالته أن يشارك بمسيرة يتقدمها كبير الإرهابيين نتنياهو ، الذي ورث الإرهاب عمّن سبقوه من العصابات اليهودية أمثال بيجن وشامير وشارون
3. كان على الرئيس الفرنسي أن يعطي اهتماما أكبر لجلالة الملك ليكون قريبا إلى جانبه باعتباره أعلى شخصية عربية تشارك بالمسيرة ، وأن لا يحتل نتنياهو موقع الشخص الثاني إلى يمين الرئيس الفرنسي بينما غيره على أطرافها .
4. الادعاء بأن الحضور العربي كان دعما للمسلمين الفرنسيين غير دقيق ، لأن المواطنين الفرنسيين يتمتعون بحقوق متساوية بغض النظر عن أصولهم وانتماءاتهم العرقية والدينية ، حسب نص الدستور الفرنسي مصدر الحريات الأساسي في العالم . فحضور أي زعيم عربي أو إسلامي لن يقدم لهم امتيازات إضافية .
5. ومع أننا لا نؤيد العمليات الإرهابية مهما كانت دوافعها ، ونقدّر مواقف الدولة الفرنسية من قضية فلسطين في الآونة الأخيرة ، إلا أن علينا في الوقت نفسه النظر إلى الجانب الآخر من المشكلة ، لمعرفة أسبابها التي شكلت استفزازا لمشاعر المسلمين ، ودفعتهم لرد الفعل والانتقام من فاعليها ، ليصار إلى معالجتها مستقبلا .
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الموقف هو : لماذا تحركت المشاعر الإنسانية في العالم لمقتل 18 شخصا في عملية شارلي إيبدو ، وحُشدت لها مسيرة عالمية بلغ تعدادها مئات الآلاف ، بينما لم تُحرّك ولم تحشد تلك المشاعر الإنسانية مسيرات عالمية أو حتى محلية لضحايا فنادق عمان ، وضحايا أطفال غزة ، وضحايا الهجوم الذي وقع على مدرسة باكستانية قبل أيام قليلة وأودى بحياة 120 طفلا وهم على مقاعد الدراسة ؟ ألا يشكل هذا التصرف تنكرا للإنسانية تجاه الدول العربية والإسلامية ، ويعبّر في الوقت نفسه عن الكيل بمكيالين مختلفين تجاه أحداث متشابهة ؟
وإذا كانت الأمور تقاس بنتائجها ، فأعتقد أن نتائج تلك المسيرة كانت محبطة ومستفزة لمشاعر العرب والمسلمين في مختلف أرجاء العالم ، خاصة عندما كررت نفس الصحيفة نشر الصور المسيئة للرسول الكريم بعد أقل من 48 ساعة على انتهاء المسيرة . وإمعانا بالإساءة فقد وزعت تلك الصحيفة 3 ملايين نسخة من أعدادها البائسة ، بعد أن كانت شبه مفلسة قبل وقوع الحادثة . وإضافة لذلك فقد نادت بعض الجماعات الفرنسية بطرد المسلمين من فرنسا ، الأمر الذي دفع الديوان الملكي الأردني لإصدار بيان يستنكر به تصرفات تلك الصحيفة وكل التصرفات التي تسيء للإسلام والمسلمين .
لقد كانت مشاركة الأردن في مسيرة باريس ضرورة وطنية اقتضاها الإجماع العالمي استنكارا للعمليات الإرهابية بشكل عام ، والدعوة لاستبدالها بحوار الكلمة والحجة المقنعة بدلا من حوار الرصاص والمتفجرات . وقد كان بودنا أن تكون مشاركة الأردن بالمسيرة من خلال ممثل للدولة دون مشاركة جلالة الملك شخصيا .
التاريخ : 20 / 1 / 2015

