موسم الهجرة الى الجنوب
كنت محظوظا ذات يوم، ونحن في العام خمسة وتسعين، والطائرة على ارتفاع ثلاثين الف قدم، والرحلة من عمان الى لندن، خمس ساعات، يتوسطها هبوط في مطار باريس.
والرحلة طويلة، لولا ذات الرجل السوداني الوسيم الذي جلس الى يساري، والذي بدأ الرحلة بفتح كتاب كبير، بالانجليزية، مستغرقاً بالقراءة، متشاغلا عن كل تفاصيل الرحلة، ولا كأنه بيننا، في سفرنا الى الشمال البارد ،ذاك اليوم الحزيراني.
عرفته منذ اللحظة الاولى، كان الاديب السوداني الشهير الطيب صالح، وروايته الاشهر»موسم الهجرة الى الشمال» بصمة في عالم الادب العربي، وقد درسناها في صحافة الجامعة، قبل ان ننتقيها طوعا، وعنوانها يشي بمضمونها حول هجرة العرب الى اوروبا، او الى الشمال البارد والمتسم بجاذبية عز نظيرها.
كلام في كلام، ومحاورته لطيفة، عباراته قصيرة، مكثفة، وهو الذي يعيش في بريطانيا، وكان قد سافر اليها اساسا، للعمل في البي بي سي .
في لندن، تجد المسلمين في كل مكان، بلباسهم، مساجدهم، حتى انك تجد مساجد داخل عمارات ومولات، دون مآذن، ويعرفها المسلمون ويذهبون للصلاة فيها، دون وجل.
كل هؤلاء، في بريطانيا، واوروبا، هربوا من اضطهاد انظمة دولهم القمعية، تلك الانظمة التي استباحت حياة الانسان، وما تركت له رغيف خبز، ولا قليل حرية، هربوا بحثا عن حياة كريمة، وعن اعادة البناء، في اوروبا واميركا حتى كندا واستراليا.
تشويه سمعة المسلمين اليوم، على يد المتطرفين من جهة، فوق الاستعداء الذي يتأسس جراء تراجع فرص الحياة والرزق في اوروبا، سيجعل حياة المسلمين صعبة جدا، لان الغربي يواجه ظرفا اقتصاديا صعبا، فلا يجد امامه الا ان يبحث عن «فائض البشر» لينظر اليهم بغضب، و»فائض البشر» هم المسلمون، ويأتي التطرف ليزيد النقمة عليهم.
لو كان الراحل الطيب صالح بيننا، لأصدر روايته الثانية ولأسماها..» موسم الهجرة الى الجنوب» فالشمال لم يعد جاذبا، بات طاردا، اقتصاديا واجتماعيا، والمسلمة اليوم في شوارع لندن وباريس وبرلين مهددة، جراء لباسها الشرعي، والتطرف جلب لها اللعنة، فوق ضيق الغرب من هؤلاء اليوم، لانهم ينافسون على الرزق، والمواطنة ودورهم في البناء يتبددان ولا يمنعان هذه النظرة، فوق تغذية اليمين الغربي المتطرف لهذه الكراهية.
ذات الحالة شهدناها بعد تفجيرات نيويورك، اذ اصبحت حياة العرب الاميركيين عموما، حياة صعبة، وبعضهم لم يحتمل وعاد الى بلاد السمن والعسل في الجنوب!.
اكثر من خمسة عشر عاما، وتدمير سمعة المسلمين يتم بشكل متواصل، منذ احداث نيويوك حتى حادثة شارلي ابيدو، ولعل السؤال المطروح، يتعلق بقدرة المسلمين عموما، على البقاء وسط محيط ينقلب الى محيط طارد وكاره وينظر اليك بشك وريبة؟!.
المشكلة هنا، ان مسلمي اوروبا بين خيارين اسوأ من بعضهما البعض، اما البقاء وسط حاضنات تنظر اليه بازدراء وعدم احترام وتنفخ في وجهه الشك والكراهية، واما يهاجر مجددا الى الجنوب، وهذا الجنوب الاسلامي والعربي، مبتلى بالفقر والتخلف والتجهيل، فوق الحروب والمذابح، وقلة الرزق، وتسلط الدكتاتوريات الخشنة وتلك الناعمة، فماذا سيختار هذا المهاجر، حين تكون القصة ايضا، قصة جيل ثالث من المهاجرين، وقصة عائلات مهددة قبل ان تكون القصة مرتبطة بشخص الاب وحيداً؟!.
العالم ينزع لفصل المكونات، وكما ان هناك اجهزة للطرد المركزي تفصل المكونات عن بعضها البعض، بات العالم ينزع لفصل كل هذه الاخلاط، بمعزل عن الهوية والمواطنة وجواز السفر، فالعربي عربي، والمسلم مسلم، والمسيحي مسيحي، والغربي غربي، والشرقي شرقي، وقد لا يكون ممكنا مواصلة دمج الهويات، بعد قليل، على اساس انك مثلا فرنسي وعربي ومسلم، وعليك ان تختار، اذا وجدت وقتا كافيا، ولم تقرر «القوة الجمعية» التي تحتضنك اعادة تعريفك، وركلك من جديد الى الجنوب.
قيل قديما ان «كل الطرق تؤدي الى الجنوب» وها نحن نقف في الطرقات، مترقبين، لنعرف مصير المهاجرين، خصوصا، وهم بين حجري رحى، غرب غاضب عليه، ومشرق، لن يجدوا فيه الا المقابر والمخيمات والخبز الناشف ايضا.
أين نذهب في هذه الدنيا….هذا هو السؤال؟!.
الدستور

