شارلي ايبدو .. مسيرة حرب
وصف رئيس تحرير صحيفة الحياة غسان شربل الوضع الدولي بعد مسيرة الملايين في باريس ومدن فرنسية اخرى بان العالم ينزلق نحو حرب عالمية ثالثة ان لم يكن قد دخلها فعلا وذلك بسبب حجم المشاركة الدولية فيها ، وأضيف بانها ، اي المسيرة ، حدثت في ظل وجود تحالف دولي يقود حربا فعلية على ( الدولة الاسلامية ) الممتدة من تكريت العراقية الى الرقة السورية .
ان لم تكن ” غزوة شارلي ايبدو ” التي ضربت قلب الجمهورية الفرنسية مماثلة للهجوم على برجي التجارة في نيويورك عام ٢٠٠١ من حيث الحجم وطبيعة الهدف فإنها خلقت ردود فعل غربية أوروبية اكبر ( على المستويين الشعبي والرسمي ) من شأنها ان تؤجج نار حرب هي قائمة الان في الشرق الاوسط .
لم ير البعض في مسيرة باريس المليونية سوى مشاركة الإرهابي نتنياهو بها وفي الإمعان بالجدل ، بين من يرى ان صحيفة شارلي ايبدو هي من قادت الارهاب الى عقر دارها للانتقام من ما نشرته قبل سنوات من رسوم مسيئة للنبي صَلِى الله عليه وسلم ، ومن يرى ، ان الموضوع مسألة دفاع عن حرية التعبير وضد الارهاب ورفض أية أعذار لعدم ادانته . في رأيي وبعيداًعن هذا الجدل ان حادثة شارلي ايبدو تشكل منعطفاً خطيرا وحاسما نحو توسيع المواجهة والحروب بين الشرق والغرب على ارض الشرق الاوسط .
المواجهة والحروب قائمة منذ ان قاد بوش امريكا والعالم الغربي الى غزو واحتلال كل من أفغانستان والعراق ، حرب هي في طابعها العام انتقامية خلفت ملايين القتلى والجرحى وأزالت دولاً وخربت أوطانا ومزقت شعوبا حيث توطن التطرف والإرهاب بكل أشكاله وفنونه في المنطقة ، لقد اثبتت تلك الحروب ان الغرب واصل ارتكاب الأخطاء الخطيرة في تعامله مع قضايا الشعوب العربية والإسلامية ، بدل ان يصلح خطأه التاريخي (الذي تراكمت عليه جميع الخطايا )وهو زرع اسرائيل في فلسطين وتشريد شعبها وتأييد احتلالاتها ووضعها فوق القانون الدولي وحمايتها من العقاب على كل مجازرها ضد الانسانية .
الحروب القائمة المستمرة منذ احتلال العراق وأفغانستان ( الموصوفة بانها حرب ضد الارهاب ) ليست بين دول تواجه دولا اخرى ولا بين جيوش بمواجهة جيوش ، لو كانت كذلك لحُسمت منذ سنوات طويلة لصالح امريكا والغرب ، لأنهم الطرف الذي يملك القوة الأعظم في العالم . لم تحسم هذه الحروب لانها بين دول موحدة الارادة والقوة ( امريكا وأوروبا) وبين جماعات وتنظيمات متناثرة في الشرق الاوسط ، تقاتل على ارض دول ممزقة تفتقر الى الارادة الوطنية الواحدة والقوة العسكرية الموحدة ، كما هو حال دول مثل سوريا والعراق واليمن وليبيا الخ . اما ما تبقى من الدول العربية التي لا تزال موحدة سياسياً وعسكريا فهي مشتته الجهد لا تعرف ماذا تريد ولا تعرف كيف تتوحد وتتضامن لإنقاذ المنطقة وشعوبها من حروب تتدحرج على ارض الوطن العربي لتأكل الاخضر واليابس وهي مرشحة لان تكون ساحة حرب عالمية ثالثة .
لا اجد موقفاًواحداً جلياً في التصدي للتطورات الخطيرة بالمنطقة اكثر وضوحا من سياسة الملك عبد الله الثاني تجاه الوضعين السوري والعراقي وتجاه موضوع الارهاب بمجمله ، انه موقف لا يعتريه ضعف ولا يشوبه تردد ، واعتقد ان مشاركة جلالته في مسيرة باريس تصب في جهد منع الخلط بين الاسلام والإرهاب عند الرأي العام الفرنسي والأوروبي ، وبان المشاركة لم يقصد بها شارلي ايبدو بقدر ما كانت جهدا في اطار واجب الدفاع عن الاسلام وصورة نبيه .
لقد وقع الهجوم على الصحيفة المذكورة بينما كانت العلاقات بين باريس وتل أبيب تشهد ازمة قوية بسبب تصويت فرنسا في مجلس الامن لصالح المشروع الفلسطيني لإنهاء الاحتلال ، وبعد أسابيع من دعوة مجلس الشيوخ حكومة فرنسا للاعتراف بدولة فلسطين ، كما ان الشعب الفرنسي هو الذي سير مظاهرات مليونية ضد الاحتلال الامريكي للعراق ، وآخرى ضد الاعتداءات الصهيونية على غزة ، شعب فرنسا لا يستحق مثل هذه العمليات الإرهابية التي تُحول المذنبين الى ضحايا ، ومن حق هذا الشعب على العرب ان يشاركوه في غضبه ورفضه لهذا النوع من الجرائم . وان وجود الملك والملكة والرئيس الفلسطيني في مسيرة باريس هي ايضا محاولة للحفاظ على مواقف فرنسا المؤيدة للعرب خاصة الشعبية منها .
لقد دقت مسيرة باريس جرس الإنذار من خطر تعميق العداء والكراهية بين شعوب اوروبا وبين والعرب والمسلمين ، بما يصب الزيت على الحرائق المشتعلة في دول المنطقة التي تحرق أرواح وأجساد ملايين العرب بالقتل والتفجيرات وبالصقيع في خيم اللجوء .
هذه الحرب لن تتوقف وقد ينزلق الى اتونها الجميع ان لم تظهر في العالمين الاسلامي والعربي ، إرادة دول وشعوب تتظافر لخلق قوة سياسية وعسكرية واقتصادية موحدة تبين للعالم ولشعوبه بان العرب والمسلمين قادرين على خلع أشواكهم بأيديهم .
إخماد هذه الحروب هي اولا مسؤولية ما بقي من دول عربية لا تزال تسيطر على ارضها وتملك وحدتها وقوة جيشها ، انها مسؤلية كل من هو قادر للتحرك وهي لا ترتبط بحجم الدول وما تملك ، إنما بما تختزنه قياداتها من إرادة ووضوح رؤيا ، وأقول ان الملك عبد الله الثاني مؤهل وبما يملك من مكانة دولية ان يعمل على عقد قمة عربية اسلامية ،سياسية واقتصادية وعسكرية ودينية ، في العاصمة والمكان المناسب ، لمنع ما تبقى من بقايا النظام العربي من التآكل والانهيار ، ليس بتشديدالقمع والاستبداد ، إنما بطرقِ كل الحلول والأبواب التي تعيد بناء جسور الوحدة والقوة بين الانظمة وشعوبها ، بالرضا وليس بالطاعة ، بالمواطنة وحقوقها وليس بمفهوم حاكم ومحكوم ، واخيرا ان لم يحدث ذلك فلا وجود لقوة تمنع انزلاق المنطقة والعالم الى أتون حرب عالمية ثالثة لكن بمواصفات التطهير والنسف والترحيل والإقصاء والإبادة .

