فرضيات العام الجديد
عكس ما يميل اليه الناس؛ فالتوقعات الأكثر واقعية هذه الأيام تذهب إلى إضفاء نظرة متشائمة على العام الجديد، نتيجة مجموعة من المعطيات المتراكمة التي تؤكد معظمها المزيد من التعقيد والمزيد من الفوضى والتهديدات، وضعف فرص تراجع العنف وعودة الاستقرار إلى المنطقة، هذه الحدوس لا تتناقض مع احتمالات أن يحمل هذا العام الحسم في العديد من الملفات، فاذا كان العام الماضي 2014 عام المتناقضات والتهديدات فوق التقليدية، فإن المعطيات المعقدة والمركبة لن تحول دون الوصول إلى الحسم في بعض الأزمات التي تراكمت كميا وحان الوقت أن تشهد تحولات كيفية.
التحولات المفاجئة والسريعة التي شهدها العام الماضي والتي كان العديد منها خارج دائرة التوقعات والاستشراف العلمي تحدّ من القدرة على اختبار فرضيات للعام الجديد، فإذا كان بروز تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” كقوة سيطرت على مساحة من دولتين وأصبح تحت حكم التنظيم نحو ثمانية ملايين من البشر، وعبّر عن فلسفته في الحكم وإثبات حضوره بحالات من التوحش والاستخدام البربري للقوة، فإن هذه الظاهرة لا يمكن أن تستمر لعام آخر في الصعود وبنفس الوتيرة؛ فاستمرار الأمر الواقع الراهن في النمو البطيء والتراجع البطيء سيكون أمرا مكلفا وباهظ الأثمان على كافة أطراف الصراع.
الفرضية الأولى في العام الراهن تذهب إلى حسم مصير “داعش” في مسارين؛ الأول يذهب نحو المزيد من التراجع والحصار للتنظيم على الرغم من احتمال تحقيق بعض التقدم الذي قد يصل إلى حصار بغداد، لكن لن يصل التنظيم إلى درجة المغامرة باحتلال مدن شيعية، حيث يعلم أن ذلك سيدفع إلى كارثة كبيرة، عكس ذلك فإن هذه الفرضية تذهب إلى حصار التنظيم بفعل قوة ضربات التحالف مع احتمال أن تصاحبها عمليات برية واسعة لن تقضي تماما على عناصر التنظيم بل تحاصرها لتنتهي إلى جيوب في مساحات محدودة. المسار الثاني أن يتحول أداء التنظيم الاستراتيجي والسياسي إلى المرحلة الثانية من خطته بالتخلي الدرامي عن منهج “إدارة التوحش” الذي يفترض أن يوقف التنظيم طموحاته التوسعية والتوقف عند حدود معينة، ويبدأ بتوجيه رسائل مهادنة إلى العالم للقبول بالأمرالواقع، وهذا احتمال وارد وله شواهد في أدبيات التنظيم. الفرضية الثانية ترتبط بالأولى باتجاهات الحسم في الملف السوري التي بدأت ملامحها تتضح مع تحولات منتظرة في خرائط التحالفات الإقليمية والدولية وفي التقارب الأميركي الإيراني السعودي والتي باتت تميل إلى القبول بحلول سياسية تسمح بالوصول الى صفقة تسوية سيكون النظام السوري أحد أطرافها، بمعنى أن رجال بشار الأسد سوف يكونون هذه المرة حول الطاولة وليس موضوعا للحسم على الطاولة.
الفرضية الثالثة، تذهب إلى أن العام الجديد سيكون عام بداية الحسم لملف البرنامج النووي الإيراني، حيث من المفترض أن يعود التفاوض عليه في تموز المقبل ما يعني أن الأشهر القادمة قد تحمل الكثير من التحولات التي سوف تكمل بعض التفاهمات التي بدأت تأخذ شكلها مؤخرا بين الغرب وإيران والتي لن تبتعد عن مصير الصراع على مستقبل العراق وسورية.
الجرعات الكبيرة من المفاجآت التي شهدها العام الماضي بما انطوت عليه من فوضى ودماء والتي ما تزال تلقي بظلالها على العام الجديد، لن تستمر إلى ما لانهاية بل ستشهد تحولات كيفية تميل إلى الحسم الذي قد لا يعني نهاية الفوضى وسيل الدماء.
الغد

