فرصة حوار ضائعة
لقد هيأ «مركز القدس» عبر أيام ثلاثة خالية فرصة نادرة للحوار الجدي المفتوح، شارك فيه سياسيون وباحثون ورسميون وحزبيون وشعبيون، ومجربون ومحايدون، في جو علمي هادىء ومريح، وبعيد عن التوتر والصخب، يمكن أن يستثمرها الإسلاميون على وجه الخصوص، حيث جاءتهم الفرصة دون كلفة ودون عناء.
لقد كانت الحلقة الأخيرة من المؤتمر التي تم تخصيصها للحالة الأردنية في غاية الأهمية، لأنها كانت معدة جيداً، ومشهودة من كل الأطراف المؤثرة والفاعلة تقريباً، حيث كان الطرف الرسمي ممثلاً برئيس وزراء أسبق يملك تصوراً ناضجاً وخبرة طويلة وهو الدكتور معروف البخيت، وهناك طرف سياسي آخر يتميز بالاعتدال والعلمية وعدم الانحياز، والخبرة أيضاً التي تجمع بين الخبرة العملية في الحكومة، والخبرة العلمية في البحث والحوار في الميدان السياسي على وجه الخصوص وهو الدكتور مروان المعشر، المتفرغ في مركز «كارنيغي» المشهور، بالإضافة إلى مندوب الحركة الإسلامية، ولا ننسى مدير الندوة النائب النشط د. مصطفى الحمارنة، وهو أصلاً متخصص في الأبحاث والدراسات لمدة طويلة.
شهدت الندوة حضوراً غنيا ومتنوعاً من كل أطياف المجتمع، وخاصة الوسط الحزبي والسياسي، ولكن ربما كان حضور الحركة الإسلامية الأكثر ضعفاً، مع أن هذه الحلقة تشكل فرصة ثمينة للحركة الإسلامية على وجه الخصوص، من أجل إعادة انتاج نفسها، وإعادة التعريف بخطابها في ضوء التطورات الهائلة التي تتعرض لها الأقطار العربية والمنطقة برمتها،امام هذا الحضور الذي ينتظر التوضيح المطلوب.
امتازت الندوة بالصراحة والوضوح، وتم توجيه النقد إلى الطرفين، الطرف الرسمي والحركة الإسلامية معا، ولكن ما أود أن أقف عليه هنا، أن الحضور المتعدد وجه مجموعة من الأسئلة الكبيرة والمحورية للحركة الإسلامية من أجل الإجابة عليها بوضوح وصراحة تزيل اللبس والغموض من جهة، وتزيل المخاوف الكثيرة التي تعتمل في صدور شرائح سياسية ومكونات اجتماعية وأطياف وطنية عديدة.
تلخصت الأسئلة المتكررة من المحاضرين وأصحاب المداخلات بما يلي :
السؤال الأول متعلق بسؤال الدولة المدنية، فهل تقبل الحركة بمفهوم الدولة المدنية ومقتضى هذا المفهوم وما يترتب عليه، من قبول تام بالتعددية وتداول السلطة، وإعطاء المرأة حقوقها الكاملة، وكذلك حقوق غير المسلمين السياسية على قاعدة المواطنة التي تقتضي المساواة المطلقة وفقاً لمعايير الكفاءة والقوة والأمانة والعلم والحفظ،والقبول الصريح بمبدا تداول السلطة مع الخصوم.
السؤال الثاني يتعلق بعلاقة الحركة الإسلامية بما يسمى التنظيم الدولي، بمعنى السؤال حول مرجعية الحركة الإسلامية الخارجية في القرارات السياسية التي تتعارض مع سيادة الدولة ودستورها وقوانينها وأنظمتها التاريخية.
السؤال الثالث يتعلق بالعلاقة مع حماس، وما يتبع ذلك من أسئلة كثيرة تتعلق بالمشروع الوطني، وموقعه على سلّم الأولويات الوطنية للحركة، وانعكاس ذلك على التعامل مع الأحداث السياسية على المستوى المحلي والإقليمي.
السؤال الرابع يتعلق بالعلاقة بين الدعوي والسياسي، وما يتبع ذلك من علاقة ملتبسة بين الجماعة والحزب، لأن الجماعة ما زالت مهيمنة على الحزب من حيث تعيين الأمين العام، وفرض القرارات المتعلقة بالمشاركة والمقاطعة في الانتخابات، والمشاركة في الحكومة وإعطاء الثقة وغير ذلك من القرارات السياسية العليا.
مندوب الحركة الإسلامية أسهب في تجلية تاريخ الحركة الإسلامية المعروف الذي لا ينكره أحد، ابتداءً من موقف إعطاء الثقة لحكومة سليمان النابلسي عام (1956)، أو وضع السلاح وعدم المشاركة في القتال الداخلي عام (1970)، وغير ذلك من مواقف، وتجنب الإجابة على أي سؤال من الأسئلة الأربعة الكبيرة المطروحة، مما أدى إلى ضياع فرصة ثمينة على الحركة، بالإضافة إلى الإصرار على عدم المراجعة التي أصبحت ضرورة سياسية وإسلامية وأردنية، من أجل التخلص من حالة الشد والجذب الموجودة في المشهد المحلي، ومن أجل الإسهام في إعادة بناء الوحدة الوطنية المطلوبة في مثل هذه الظروف الحرجة التي نمر بها جميعاً بلا استثناء.
الدستور

