الصــحفيـون المـفـلســون
من الظواهر المؤسفة في هذا البلد أن بعض الصحفيين المفلسين عندما لا يجدون مواضيع تشغلهم ، يوجهون سهام حقدهم إلى شريحة نبيلة من أبناء الوطن ممثلة بالمتقاعدين العسكريين ، فيكيلوا لهم ما يعشش في أذهانهم من تهم زائفة وينتقصوا من دورهم في الانتماء لوطنهم ، من خلال مواقعهم الإخبارية البائسة .
مثل هؤلاء الصحفيين المغمورين يدلون بكتاباتهم حتى وإن كانت تخالف قناعاتهم ، إما تلبية لرغبة جهة معينة مقابل أعطيات مالية هزيلة يعتاشون عليها ، أو يعتبرون الحديث في قضايا وطنية وسياسية واجتماعية حكرا عليهم يحرم على الغير اقتحامها . وعند التدقيق في سيَرِهم الذاتية تجد بأنهم لم يقدموا أي خدمة نافعة لبلادهم ، بل أن جذورهم تمتد باتجاهات مختلفة لتخلخل بنية الوطن تحقيق مصالحهم الشخصية.
بالأمس وبينما كنت أتنقل في قراءتي بين المواقع الإخبارية على الشبكة العنكبوتية ، وقعت عيني على أحدى المقالات التي كانت قد نشرت بتاريخ 11 / 8 / 2014 تحت عنوان : ” متقاعدو الأمن والعسكر . . جنرالات التنظير السياسي والإعلامي ” . وقد احتوت المقالة على تهم وصفات مسيئة للمتقاعدين العسكريين والتي يجب أن لا تمر بلا حساب .
ولكي لا أسمح لذلك الدّعي بالفوز في صيده الهلامي رغم مرور بضعة أشهر على مقالته الرديئة ، فسأقتبس بعض فقراتها وأخضعها لشيء من التحليل والمناقشة ، لكي لا تنطلي أكاذيبه وتزييفه للحقائق على البسطاء من القراء .
يقول الكاتب في مطلع مقالته : ” يُمضي الجنرال ــ أي جنرال ــ مسيرة عسكرية وأمنية محترفة ومنضبطة ، إلى أن ينتقل إلى معسكر التقاعد فينقلب حاله ، تصيبه حال من حمى انحسار الأضواء الشعبية فلا يعود أحد يتذكره ، فيقرر من تلقاء نفسه إشغال نفسه بالسياسة ، إذ أصبحت وظيفة السياسة هي الأكثر رواجا لأنها لا تتطلب رأسمال ، ولا إلى ترخيص ، فيتحول الجنرال المتقاعد بين ليلة وضحاها من ضابط كل همه صون الأمن الوطني بصرف النظر عن الطريقة إلى منظّر سياسي ، يصبح كل همه صفوف المقدمة والشهرة ، بصرف النظر عن الطريقة أيضا ” .
صحيح أن الجنرال يمضي مسيرة عسكرية وأمنية محترفة وانضباطية كما ذكر الكاتب . وتلك المسيرة هي نتيجة لتأهيله الذي اشتمل على دورات محلية وخارجية يزيد عددها عن عشرين دورة ، إضافة لممارسته وظائف القيادة والإدارة والتدريب لأكثر من ثلاثين عاما ، وهو ما يشكل لدية خبرة متراكمة في أساليب الحياة وأحداثها المتنوعة . وفي ممارسته لهذا العمل لا يكون تحت الأضواء ولا بين الجماهير كي يكسب شعبيتها كما ادعى الكاتب ، بل أن مكانه في ميادين التدريب لإعداد جنوده بدنيا ونفسيا وقتاليا لواجباتهم المنتظرة ، وبما يتفق مع العقيدة القتالية التي تتبناها القوات المسلحة . فطبيعة عمله آنف الذكر يتطلب الكتمان بعيدا عن أضواء الإعلام والاستعراض أمام الجماهير ، ولكنه يضع نصب عينيه كسب ثقة مرؤوسيه لكي يقودهم بكفاءة ، ويحقق أهدافه المرسومة في معركة المستقبل إن وقعت ، وليس هناك صفوف يتقدمها أو شهرة يسعى إليها بعد التقاعد .
يقول الكاتب في مقالته أيضا : ” تتساءل أوساط أردنية ، كيف لضابط أمني أشغل نفسه لعقود بتثبيت دعائم الأمن الوطني أن يتحول فور خروجه من الخدمة إلى معارض ، وإعلامي ، وحراكي ، وناشط سياسي ، ومنظر في شؤون البلاد والعباد . من أين جاء هذا المتقاعد بكل هذه الخبرات العصية على التبرير ؟ “
ونسأل الكاتب الهمام الذي نصب من نفسه ناطقا باسم الأوساط الأردنية : ألا يحق لمن أشغل نفسه بتثبيت دعائم الأمن الوطني كما اعترف بمقالته ، أن يحافظ على هذا الأمن الذي يثبت دعائم الأمن الوطني ، وأن يدلي برأيه بكل جرأة فيما يتهدده من مخاطر سواء كان عاملا أو متقاعدا حرصا منه على وطنه ؟ وإذا كانت معارضته لتصرفات بعض المسؤولين الخاطئة في الدولة تصب في هذا الإطار ، ألا يعنى ذلك أن معارضته محمودة ومطلوبة ؟ وهذه الخبرات التي يتساءل عنها الكاتب اكتسبها الجنرال المتقاعد من دراساته ومن خلال خدمته الطويلة واحتكاكه بأقرانه من الدول العربية والأجنبية ، فهو بالتالي ليس معزولا عما يجري في البلاد من أمور سياسية واجتماعية ونشاطات أخرى .
وإن كانت القوانين لا تسمح له بالتعبير عن رأيه وهو عامل ، فهو على الأقل متعايشا معها ويميز الصواب من الخطأ ، ولكنه يحتفظ برأيه لنفسه طالما أنه يعمل تحت مظلة القوانين والأنظمة العسكرية . تلك الخبرات التي يعتبرها الكاتب عصية على التبرير ، هي بديهية لمن يحمل في رأسه فكرا وفي قلبه إيمانا بوطنه .
يستطرد الكاتب قائلا : ” تتساءل الأوساط الأردنية الغاضبة أيضا : ” بالأمس حينما كان كادرا أمنيا وعسكريا كانت الدولة لا تخطئ أبدا ، ومن يعارضها جاسوس ومندس برأيه ، بل ويستحق كل أنواع الرجم ، واليوم حين صار خارج نطاق الخدمة الدولة تصبح في نظره مثل خبز الشعير مأكولة مذمومة ، وكل من يعمل في سلطتها هو عدو للشعب ، ومتآمر ومنتفع ومرتزق ” .
حضرة الكاتب المبجّل : هذا كلام لا يصدر عن إنسان بكامل قواه العقلية ، ولكنه افتراء يعشش في ذهن قائله فيحاول إلصاقه برجال شرفاء لم ولن يتاجروا بالوطن والشعب ، بل يحاربون كل من يمسه بأذى . وليس صحيحا أنهم يتهمون كل من يعمل في الحكومة بالجاسوسية والعداء للشعب والتآمر والارتزاق . أتحداك وأنت صاحب الموقع ناشر المقالة الاتهامية ، بأن تثبت أقوالك المسيئة عندما تقف أمام المدعي العام في وقت قريب.
وبهذه المناسبة أحب أن أذكّر القراء الكرام وخاصة العسكريين البسطاء ، الذين يجهلون موقعهم القانوني بعد انفصالهم عن الخدمة العسكرية ، بأنهم يصبحوا مواطنين عاديين تسري عليه القوانين والأنظمة المدنية وليس العسكرية . ويستطيعون ممارسة النشاطات السياسية والاجتماعية والإعلامية وغيرها بما يتفق مع مصلحة الوطن وأبنائه .
وإذا كان البعض يعتقد بأن الضابط بعد تقاعده يجب أن يقتصر نشاطه على برنامج ” أكل شرب نام ” فهذه صفة الأحياء الأموات ، لأن الفكر لا يموت إلا بموت صاحبه فعليا . وهذه الحالة تذكّرني بالقصة التالية : أحد الموظفين البريطانيين كان متقاعدا وقد بلغ عمره 84 عاما . فعرض عليه صديقه عملا في إحدى الشركات وطلب منه مراجعتها . ففعل الرجل بتوصية صديقه ، ولكنه استنكف عن العمل قبل أن يبدأه . وعندما سأله صديقه عن سبب الاستنكاف ، أجاب بأن هذا العمل ليس له مستقبل . . !
ويواصل الكاتب الحكيم تأنيبه ونصائحه للجنرالات الأردنيين قائلا : ” معيب وشائن ما يحصل ، علينا أن نتكاتف جميعا في ظل ما يحصل في الجوار الأردني ، فلنكن جميعا جسرا يعبر عليه الأردن إلى قوته ومنعته ومستقبله ، ولا يجدر بنا أن نجعل الأردن جسرا إلى مكاسب ومنافع ذاتية صغيرة . . . لنأخذ من العدو العبر . ففي إسرائيل لا يتردد رئيس وزراء سابق من تلبية دعوة خَلَفٍ له ليكون وزيرا في حكومته . ولا يتردد جنرال كبير في المؤسسة العسكرية والأمنية من أن يضع كل خبرته العسكرية والأمنية في خدمة صحيفة ليعلق فيها على الحدث السياسي والعسكري ” . وعليه فمن فمك ندينك حضرة الصحفي . فبينما تعيب على الجنرالات الأردنيين المتقاعدين ممارسة السياسة ، نجدك تزكيها في الجنرالات الإسرائيليين . . !
من المعروف أن المتقاعدين العسكريين يمتلكون خبرات متنوعة ويحملون شهادات عليا يمكن الاستفادة منها في المجتمع . ففي العالم المتقدم تتخطفهم الشركات ومراكز الدراسات للاستفادة من خبراتهم العسكرية والأمنية مقابل رواتب عالية . ولكن دول العالم الثالث تطوي صفحتهم رغم صغر سنهم نسبيا وبغض النظر عن خدماتهم ، وتتمنى عليهم الانزواء والتجمد دون أي حراك .
وهنا أحب أن أذكّر القراء الكرام ببعض الجنرالات المتقاعدين الذين سنحت لهم الفرصة بخدمة بلدانهم في المجالات العسكرية والمدنية وفي ظروف حرجة . فكتبوا صفحات ناصعة في تاريخ بلادهم تذكرها الأجيال اللاحقة ، من بينهم على سبيل المثال : ايزنهاور ، ديجول ، فرانكو ، بارك .
ولا ننسى في هذا السياق أيضا الجنرالات الإسرائيليين المتقاعدين ، الذين تولوا مناصب سياسية وإدارية تراوحت بين رؤساء الدولة ، ورئاسة الوزراء ، والوزراء ، والمدراء ، فتركوا بصمات واضحة في تاريخ بلادهم . وختاما أقول للصحفيين المفلسين : كفّوا عن ترديد اسطواناتكم البالية والتي تعبر عن أحقاد وأجندات مشبوهة .
التاريخ : 22 / 12 / 2014

