صحيفة الكترونية اردنية شاملة

التصالح مع المستقبل

0

كلّ الدعوات الشعبية في الربيع العربي بدأت بالمطالبة بإصلاح النظام، وللأسف إنتهى بعضها دمويا لفترة طويلة أدت إلى تدمير كبير وخراب مثل سوريا وليبيا، ولا يعرف إلا الله فيما إذا كان سيكون أي شيء صالحاً للحكم بعدها في تلك البلدان، في حين أخذ الوضع منحىً أقل دموية في بلدان أخرى مثل اليمن ومصر وتونس، وبقي البعض سلميا كما حدث في الأردن بعد أن إستوعب الأمن الناعم الجميع، وبادلهم من تظاهر الخوفَ على الإستقرار والأمن فنآى الجميع بالوطن عن الشرور والآثام، بل وشدّ المجتمع أزر بعضه بعضاً بالمناشدة بضرورة الإبتعاد عن الفوضى ونراهم الآن قد اصطفوا جميعا ضد الإنفلات الأمني، ويطالب معظم الناس بالعودة إلى تنفيذ العقوبات الشديدة بما فيها عقوبة الإعدام ضبطا للأمور.
لماذا بدأت المطالبات بالإصلاح؟
كان السبب الرئيسي هو جمود الحركة السياسية وضعف التقدّم الإقتصادي، وضعف تأثير الشعوب في عمليات صنع القرار التي إقتصرت على مجموعات صغير من الناس من الاقارب والمنتفعين والنخب من الاقتصاديين والسياسيين، كما بدأ الجميع يلمس أنه لا يوجد فصل حقيقي بين السلطات، وأن الجميع معينون بما فيهم مجموعةٌ كبيرةٌ من النواب المنتخبين، والقضاة المعينين، ورجال الإعلام معينون، ورؤساء الحكومات والحكومات مسيّرون ويلحق بهم رؤساء الجامعات وكل من يتولى مسؤولية تبدأ برئيس قسم.
عندما تتحكم النخب يُظلم العامة، وعندا يكون الجميع معينون يصعب عليه كشف الاخطاء أو معالجتها الا بعد صدور تعليمات لهم لمعالجتها، وسيستغل المعينون مراكزهم لتحقيق فساد شخصي لا يحاسبون عليه للأسف، وسيصطف كل هؤلاء لمحاربة من يقول شيئا ضد أخطاء الدولة حتى يحموا فسادهم وضعف إنجازاتهم، ومن ثم يَطردون بأفعالهم وأقوالهم مصلحاً سياسياً أو إقتصادياً من أن يفيد بلده حتى بالكلمة الطيبة لأنه سيجد أكثر من مئة فاسدٍ يهاجمونه مرة واحدة ويرشدونه إلى طريق الطاعة أو الإنعزال.
يحدث هذا في معظم دولنا العربية ويشتد أكثر في بلدان أخرى حيث نشاهد المحاكمات بالعشرات لمن أدار الدولة بعد الثورة، ويحكم بالبراءة من قامت ضده الثورة وكأنها كانت ثورة بإتهامات باطلة بالفساد والإستغلال وحتى بالقتل.
لا أرى أن إصلاح الدول قد بدأ في معظم هذه الدول لأن من يستلم الحكم أو إستمر به ينحاز إلى مطالبه ورؤيته فقط، ومن هو في الحكم يتجه لتحصين نفسه خوفا من تحدث الثورة ضده مستقبلا فيخترع القوانين المانعة للتظاهر، ولكني أرى أن المتاعب والقلائل ستحدث مستقبلا لأنها لم تحلَّ شكاوى الناس، ولإن كل الدول لم تبدأ بالإصلاح الحقيقي والسريع للوصول إلى أسباب التصالح الداخلي فيها، بإزاحة المفسدين ومحاسبتهم، وخلق إستقلال القضاء الحقيقي، ومنح الحرية للإعلام، والإبتعاد عن التدخلات الأمنية في التعيينات، وإشراك الناس بإنتخابات حقيقية ليأخذوا دورهم في الشأن العام، وبدون ذلك ومع إستمرار أسباب الإصدام السبقة، فإننا سننجر للإصطدام والثورات والقلائل مستقبلاً، وبدون حدوث ذلك لن يكون هناك صلحٌ أو تصالح مجتمعي حقيقي مع المستقبل والله الموفق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.