صحيفة الكترونية اردنية شاملة

إننا نغتال أجمل ما فينا

0

ما بعد الحقبة الاستعمارية، أو ما تسمى بالكولونيالية، قدم الاستعمار تركة هائلة من أنماط السيطرة، حيث تم التحول من العسكرتاريا المسيطرة، إلى المعرفة باعتبارها سيطرة، المعرفة المختلفة، التي اشتبكت بفعالية مقاومة مع مفهوماتنا عن المعرفة والعلم والثقافة والأعراف، والتقاليد والرموز، والأخيرة هي محل النظر ، باعتبارها قيمة متحولة وفاقدة للاعتبار على مدار الزمن ما بعد الكولونيالي. تأسس وعي العربي على الفخر بالأمجاد، والافتخار بالرموز والأجداد، وأخذ هذا المفهوم بالنمو، مثل أعشاب السافانا، مع وفرة حرارة الشعور الجمعي المشترك، وماء الانتماء الفطري، وحين جاء الاستعمار، حطم هذا الصنم المعنوي المقدس بحجة أن الاستعمار تحديث، وأن الشعوب المستعمَرة غير حداثية وبربرية، وتقتات على مخلفات ماضيها، إنه التبرير الكبير للاستعمار، وبفضله سقطت شعارات وأوراق توت كثيرة، حتى أصبحت الحاجة لأي غطاء يستر عورة البربرية، ويحرك جمود الماضوية.

هكذا أصاب العطب الأعراف والأسس الأولى للثقافة المرتبطة بخصوصياتنا وهويتنا، ومن جملة ما أصابه العطب، الرمزية والاعتبارية للقامات الوطنية، ( الرموز ) التي مارست دوما إنعاش القيم والذاكرة الوطنية في تحدٍ قادر ومتفوق لكل عمليات الإخضاع والسيطرة، في الأردن، كمثال، بعد الشهيد وصفي التل، وهزاع المجالي في المقام الثاني، طوى الوطن عصر صناعة الرموز الوطنية القادرة على خلق التفاف وإجماع وطني كامل وحقيقي، وكانت طريقة التخلص منهم تشي بحالة الرفض لأي محاولة استنساخ أو استنبات جديد لقامة جديدة.

كان وصفي التل يمثل ربما حالة كثيفة للرمزيات الوطنية التي سبقته، حتى إن التعاطي الوطني مع ذكرى استشهاده التي صادفت قبل أيام، أشبه من حيث كثافة وصدق الشعور بالحب له الاحتفال بأربعينية استشهاده، ما يعني أن الحالة ما تزال طازجة، وجذوتها مشتعلة، تبرهن على وجود الحاجة لقامة وطنية جامعة، لولا الإرادة المعاكسة، المعنية بالإخضاع والسيطرة. وحتى قبل وصفي التل وهزاع المجالي، كانت الشخصيات الوطنية من شيوخ العشائر من أمثلة راشد الخزاعي، وحسين باشا الطراونة، تمثل شكلاً صادقاً ونبيلاً للشخصيات والموز الوطنية الجامعة.

لماذا أُسقطت بعدهم كل إرادات صناعة الرموزـ لتتحول فيما بعد إلى مجرد رموز من نوع مختلف، تشبه ربما عجلاً من تمر، أو رمزاً مستلاً من زهرة برية، إنه تحول أنجزته الحروب الكولونيالية، حتى في أوروبا والغرب عموماً، أخذت فكرة الرموز الوطنية تتحول من الشخصيات الاعتبارية والذوات القادرة على الإنعاش والتحدي، إلى رموز مرتبطة بالبيئة والطبيعة مثلما فعلت كندا التي أخذت ورقة القيقب كرمز وطني، ولاتيفيا التي التفتت إلى شجرة البلوط التفات فيه شيء من القداسة الوطنية، ونحن أيضاً، لدينا من البلوط والقيقب ما يكفي ويفيض، ويسكت حاجتنا للمعاني الجامعة، ولكن من غير قدرة على ممارسة أي دور في الإنعاش والتحدي.

إنها الحروب الكولونيالية الفاعلة، والقادرة على خلق علامة فارقة في تاريخ وطنياتنا، وبالفعل، خلقت علامات وتحولات في الثقافة الوطنية والوعي الوطني. أوروبا، التي اتخذت رموز وطنية من أنواع مختلفة بقيت وفية لتاريخها ووطنياتها وأسمائها، بالعكس منا نحن، فبالرغم من كون التحول في الرمزيات الوطنية حالة عالمية واسعة، إلا أننا خسرنا أكثر، لأن أوروبا صنعت مقابل هذا التحول دول تعطي اعتباراً متقدماً لسيادتها وإنسانها وممارساتها المنتمية في السياسة والاقتصاد والثقافة ، بينما نحن قضى التحول على أشياء كثيرة فينا.. وعلى أجمل ما كان فينا..

وكما قال حيدر محمود في رثاء وصفي التل (أبكي على أمة تغتال أجمل ما فيها).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.