من أطاح بثورة 25 ‘يناير’ المصرية؟!
لم يغلق قرار تبرئة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك ورموز نظامه، المطاح به في ثورة 25 “يناير” 2011، ملف القضية، بل فتح الباب واسعا لمحاكمة أربع سنوات صاخبة في مصر، هي عمر ثورة الشباب المصري على عقود من الفساد والدكتاتورية والتهميش.
لن يتوقف أحد، لا في مصر ولا خارجها، عند حيثيات قرار محكمة جنايات القاهرة، بتبرئة مبارك، ولا عند تفاصيل مطالعات المحكمة القانونية، والتي يمكن تقليبها على مليون وجه، ولن يعدم المحاججون، بالاستناد للعقل القانوني البارد، الوسيلة والحجج لتأييد أو معارضة القرار قانونيا، لكن القرار، بمنتهياته السياسية والوطنية، شكل زلزالا سياسيا حقيقيا، سيكون له ما بعده.
السؤال الاول، الذي يتركه القرار القضائي المصري، لن يقتصر على سؤال أهالي مئات الشهداء من ضحايا ثورة “25 يناير”، الذين يبحثون عن قاتل أولادهم، ولا على سؤال من يتحمل مسؤولية الفساد والتهميش والإفقار الذي لفّ الشعب المصري في عهد النظام السابق، الذي ثار عليه المصريون في 2011، السؤال المصري اليوم، هو: “كيف وصلت ثورة الربيع المصري العظيمة إلى هذا المنتهى المزري؟ وكيف أكلت الثورة ابناءها سريعا، وسامحت بدمائهم بصورة أسرع؟!”.
قد يريح الإخوان المسلمين المصريين ومناصريهم خطاب التشفي والملامة للشعب المصري، ولقواه السياسية المعارضة للإخوان، بعد قرار تبرئة مبارك، وتحميل المسؤولية الأولى في صدوره لثورة 30 “يونيو” 2013، التي أطاحت بحكم الرئيس السابق محمد مرسي، وجاءت بحكم العسكر. نقول قد يريح هذا الخطاب الإخوان، لكنه لا يعبر ابدا عن تقييم حقيقي ولا موضوعي لتوصيف الحالة المصرية الراهنة، ولا تطورات ثورتها وصولا لمآلاتها الماثلة اليوم.
ثمة ردة عن الإصلاح والثورة في مصر وغيرها من بلاد الربيع العربي بلا شك، وثمة فلول وغير فلول، تسعى لاستعادة مجد تاريخها الغابر على رقاب الناس، لكن هذا التفسير والتبرير لمآلات الثورة المصرية، أمر قاصر ويريح من قفزوا فوق الشجرة، ورفضوا النزول!
ثمة عوامل وأبعاد عديدة، عمّقت حالة الانقسام السياسي والاستقطاب الخطير في مصر، منذ مظاهرات 30 حزيران “يونيو” 2013، بل وما قبلها، لا يتحمل مسؤوليتها فقط العسكر والقوى السياسية القومية واليسارية والليبرالية المعارضة للإخوان، بل يتحمل الإخوان ومناصروهم مسؤولية لا تقل أهمية وخطورة عن مسؤولية غيرهم، فيما وصلت إليه البلاد اليوم.
لم يكن مطلوبا من الإخوان ومرسي، الذين فازوا بانتخابات ديمقراطية ما بعد ثورة “25 يناير”، أن يقروا بالطعن بشرعية صندوق الاقتراع وحكمهم باختيار الأغلبية، لكن كان مطلوبا منهم أن ينزلوا عن الشجرة، عندما نزلت الملايين إلى ميدان التحرير في 30 يونيو 2013، وعندما وصلت الحياة السياسية إلى أزمة واستعصاء، بالعلاقة مع باقي القوى السياسية، والاحتكام الى ضرورات المرحلة الانتقالية التوافقية.
ما جرى مع الاسلاميين كان العكس، فقد أصروا على التمسك بشرعية مرسي، وعدم الذهاب لتوافقات وطنية مع المخالفين والمعارضين، وإلى انتخابات جديدة للخروج من حالة الاستعصاء السياسي، بل لجأوا، مقابل حملة الشيطنة الإعلامية والسياسية ضدهم، إلى حملة شيطنة شبيهة لمعارضيهم، وللمتظاهرين، وتصنيفهم بـ”فلول” النظام السابق، والإصرار على عدم التنازل عن الرئاسة و”شرعية الصندوق”، ورفض الاحتكام لما كانوا جنوا ثماره هم أصلا، وهي شرعية الشارع وميدان التحرير.
النتيجة الماثلة اليوم على الارض، هي أن الإسلاميين بإصرارهم على مواقفهم، حكموا على أنفسهم بالخروج من العملية السياسية، بل وقمعهم والسعي لاستئصالهم من مختلف المواقع، فيما تقدمت المؤسسة العسكرية، التي استغلت خلاف الإسلاميين مع باقي القوى السياسية والثورية، إلى عسكرة الحياة السياسية، والتراجع عن إنجازات عديدة ومهمة لثورة يناير، في مجال الحريات والحقوق السياسية والديمقراطية، وصولا اليوم إلى صدور قرار تبرئة رموز النظام السابق من تهم القتل والفساد!
عودة “الفلول” والدولة العميقة اليوم، لا يتحمل مسؤوليتها فقط طرف واحد في مصر، بل هي تعود لعجز ورفض النخبة السياسية والقوى الثورية المصرية، بمختلف تلاوينها وتياراتها، عن الحفاظ على الثورة عبر التوافق الوطني!
الغد

