صحيفة الكترونية اردنية شاملة

هزيمة واحدة

0

على حد تعبير رينر ريلكه بأن الحياة انتقال من هزيمة إلى هزيمة، ذلك ربما يعني أنها هزيمة واحدة كبيرة ومستمرة؛ فثمة هزيمة من هذا النوع الكبير والمستمر، التي تاسع لكل الأشياء، إنها الهزيمة أمام الأفكار ، أن نكون مهزومين أمام أفكارنا، وأمام الأشياء التي تشكل أفكارنا عن الحياة والعيش والإنسان والثقافة.

كعربي عاش هزائم أمتهكلها في التاريخ والواقع ووقائع الشعر والروايات، أصبح مسكوناً بهزيمته الكلية المستمرة، مهزوم أمام أفكاره الوطنية إذ يكتشف أن الوطن إما مصادر أو محاصر، وأنه وحده من يدفع الثمن كفرد. ومهزوم أمام أفكاره في الحرية حين يكتشف أنه دائما مدان، ومتهم بإطالة الأحلام واللسان، ومهزوم أمام أفكاره عن الثورات، حين وجد أنها مصائد وأن الشعوب فريسة كئيبة بين حجري رحاها. ومهزوم أمام أفكاره عن الديمقراطية التي يتذوقها ويلعق أصابعه بتشهي، يشبه الذئب الذي مكث يلحس المبرد، وكلما رأى دم لسانه عليه حسبه دم وجبته الدسمة.
مهزوم أمام نفسه في قدرته على الصمود والمواجهة والتحدي أو الرضوخ والصمت. مهزوم أمام أفكاره عن الدولة برمتها حين يعرف أن المؤسسات الرسمية شركات مساهمة، والحكومات التنفيذية ميليشيات سياسية، والبرلمان جوقة موسيقيين فاشلين يعزفون بأصابع حادة وأوتار مقطوعه.
الحديث ليس عن دولة، إنما عن دول تتضخم فيها الهزيمة يوما بعد يوم، وعن شعوب ممتدة من الماء إلى الماء ولكنها غثاء، والغثاء رغوة الأشياء، أو مثل غثاء الليل كالحشائش اليابسة.
نحن مهزومون أمام التاريخ بوسفه ماض متهم بالرجعية، ومهزومون أمام الحاضر بوصفه حالة ملتبسة متهمة بالفتن، ومهزومون أمام المستقبل بوصفه حالة انتظار كسول.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.