لا توقّفَ عن حديث الفساد دولة الرئيس . . !
خلال محاضرته في كلية الدفاع الوطني الملكية يوم الأحد الموافق 23 / 11 / 2014 أعرب دولة رئيس الوزراء الدكتور عبد الله النسور عن قناعته قائلا : ” بأنه وخلال السنتين الأخيرتين توقف الحديث عن وجود فساد في الدولة ، مؤكدا توفر الإرادة السياسية من قيل جلالة الملك والحكومة والشعب لمحاربة الفساد . . . هذه الحكومة لن تسكت على أي حالة فساد دون تحويلها إلى المحكمة ، وأن الأسوأ من الفساد والظلم هو السكوت عليه وإجازته ” .
كلام جميل دولة الرئيس يؤكد أن لا فساد ولا ظلم في البلاد . . فإذا كانت هذه قناعتك بالفعل فهي أكبر دليل على بعدك عن أحاسيس الشعب الذي نطقت باسمه . الفساد يا دولة الرئيس أصبح متجذر في أعماق الدولة ومحمي بقوة القانون . الفاسدون يا كبير الوزراء أذكياء في أساليب الفساد بمختلف أشكاله وأنواعه ، ويعرفون كيف يحتالون على القانون وكيف يخدعون القائمين عليه ، من خلال خبراتهم المتراكمة ، ليظهروا أمامنا بثياب بيضاء خالية من الدنس .
إن القناعات التي تتكون عند الناس من سوء مسلك الفاسدين وأفعالهم لا تدينهم رسميا ، رغم أن أجهزة الدولة المخابراتية تستطيع سماع دبيب النملة ، ولكنها تتعامى عن أفعالهم وتطلب من المواطنين البسطاء تقديم الأدلة على فساد الفاسدين ، كمن يرى الضبع ويبحث عن أثره على أرض صماء .
دولة الرئيس
لو ارتديت عباءة الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وتجولت بين الناس على أقدامك متخفيا دون حراسة ، وفتحت عينيك جيدا وأصغيت السمع لوجدت شيئا غير ما تحدثت به . ولكنك لم ولن تفعلها لأن اهتماماتك بعيدة عن مثل هذا التوجه . أرجوك يا دولة الرئيس وأنت في سيارتك الفخمة متجها إلى السلط أن تنظر عند مرورك في نهاية حي الكمالية إلى يمينك ، لتشاهد ضريح رئيس الوزراء الأسبق وصفي التل ، الذي سيخلد الأردنيون ذكرى استشهاده بعد بضعة أيام ، فهو من حارب الفساد فعليا وهو من عمل بإخلاص وضحى بحياته من أجل الأردن وفلسطين ، وما زالت روحه الطاهرة ، حية في قلوب الأردنيين والفلسطينيين الشرفاء . كم من رئيس وزراء سبقكم على هذا الموقع في سدة الحكم ، ولكن طواهم النسيان ولم يسكنوا قلوب الأردنيين كما يسكنها حب وصفي التل رحمه الله .
دولة الرئيس
عن ماذا تريد أن نتحدث في مناحي الفساد الذي نفيت وجوده في الدولة الأردنية ؟ هل تريدنا أن نتحدث عن فساد الغذاء والدواء اللذان يتعلقان بصحة المواطنين ؟ فها نحن نسمع ونقرأ كل يوم عن ضبط كميات كبيرة من الغذاء الفاسد والمنتهي الصلاحية لدى التجار ، وكذلك نقرأ عن إغلاق عدد من المطاعم التي تقدم أطعمة فاسدة لروادها ولكن دون عقاب رادع في جميع الحالات . أما بالنسبة للدواء فهناك ارتفاع كبير لأسعاره في الصيدليات ، وهناك استغلال للمرضى في المستشفيات التي تكاد أن تجردهم حتى من جلودهم .
هل نتحدث عن أسعار الحاجيات في الأسواق ، حيث يتحكم بها التجار حسب رغباتهم دون إشراف أو ضبط من الدولة ؟ هل نتحدث عن الرشوة التي أخذت تنخر في مؤسسات الدولة بشكل لم نعهده من قبل ؟ هل نتحدث عن المخدرات المنتشرة بين الشباب في المدارس والجامعات ومختلف طبقات المجتمع ؟ هل نتحدث عن مستوى التعليم المتردي والرسوم الجامعية الباهظة على الطلاب ؟ هل نتحدث عن الفساد الاخلاقي في المواخير وفي شوارع عمان بعد حلول الظلام ؟ هل نتحدث عن البطالة بين الشباب والعزوف عن الزواج وزيادة العنوسة بين الفتيات ؟
وفي مجالات أخرى ، هل نتحدث عن الضرائب التي أثقلت كاهل المواطنين وأجبرت الكثيرين منهم على إغلاق مصالحهم التي يعتاشون منها ؟ وماذا عن منطقة العقبة الخاصة التي أصبحت دولة داخل الدولة ، ولم تنعكس بفوائد إيجابية على أهالي المنطقة أو على الدولة بشكل عام ؟ هل نتحدث عن الشواطئ البحرية المحدودة والتي أصبحت ملكا للمستثمرين وحرم منها أبناء الوطن البسطاء ، بعكس كل دول العالم التي تعتبر الشواطئ ملكا للشعب ؟ هل نتحدث عن المديونية التي ناهزت 30 مليار دولار وتتزايد بأكثر من ملياري دولار سنويا ، بعد أن بيعت روافد الدولة الاقتصادية ؟ هل نتحدث عن السياحة التي أجبرت الأردنيين على التوجه إلى مناطق أقل كلفة وأفضل خدمة خارج الأردن ؟ هل نتحدث عن مجلس أمة ووزراء يسعون لتحقيق مصالحهم بعيدا عن مصالح الشعب ؟
دولة الرئيس
هناك الكثير من قضايا الفساد التي يمكن الحديث عنها ولا يتسع المجال لذكرها في هذه العجالة . فتوقف الحديث عن الفساد من قبل المواطنين لا يعني أنه غير موجود ، بل شعورا منهم بصعوبة الظروف التي يمر بها الوطن والأخطار التي تتهدده من الداخل والخارج تجعلهم يغضون الطرف عنه مؤقتا . وعليه فإنني سأكتفي من دولتك بالإجابة على الأسئلة المحدودة التي ذكرتها بأعلاه ، لكي تشكل لدينا قناعة بأن ما تحدثت به له نصيب من المصداقية .
وهنا أود أن أذكّر بالحكمة التي نطق بها الشهيد وصفي التل في حينه ، وكأنه يصف وضعنا هذا اليوم قائلا : “كان هذا البلد المثل في حسن استخدامه لموارده المحدودة وفي نظافة أجهزته وحزم إدارته . الرشوة والميوعة وشلّة الحكومة جعلت منا موضع غمز ولمز لا يرضاها مخلص . . . لا مكان للفساد ، ولا مكان للرشوة ، ولا مكان لتلون الوجوه ، الميدان فقط للصابرين الصادقين ، ذوي الرأي الجريء الصريح”.
وفي هذا السياق يقول الرسول ( صلعم ) : ” صنفان من أمتي إذا صلحا صلح الناس ، وإذا فسدا فسد الناس : الأمراء والفقهاء ” . والمعنى واضح لا يحتاج إلى تفسير .
في الختام أتساءل : لو أجرينا استفتاء على وجود الفساد في الدولة الأردنية الذي نفاه دولة الرئيس ، ماذا ستكون النتيجة ؟ هل تتوافق مع ما تفضل به دولته وهو يغرد في مكان بعيد عن الشعب أم تخالفه ؟ الجواب لديكم أيها القراء الكرام . . !

