صندوق النقد.. يثني ويحذر
يتساءل الكثيرون: ما هي المبررات التي تدفع البعض لانتقاد السياسات الاقتصادية لحكومة النسور، في الوقت الذي يثني فيه صندوق النقد الدولي، وهو أكبر مؤسسة اقتصادية عالمية، على أداء الاقتصاد الوطني، ما يجعل انتقادات البعض غير منطقية وغير واقعية.
الصندوق في آخر تصريح، على لسان رئيسته التنفيذية كريستينا كوستيال، قال إنه ورغم البيئة الصعبة فإن الاقتصاد الأردني نما بثبات نسبي؛ إذ سجل الناتج المحلي الإجمالي نموا بحدود 3ر2 بالمئة للربع الثاني من العام الحالي، والتضخم انخفض بنسبة 3ر2 بالمئة لنهاية تشرين الأول، فيما ارتفعت الاحتياطات من العملات الاجنبية لدى البنك المركزي إلى مستوى مريح يغطي نحو 6 أشهر من التجارة الخارجية، وانحسر عجز الحساب الجاري بنسب ملموسة، إذ يتوقع ان ينخفض ما دون 14 بالمئة كنسبة من الناتج مع نهاية العام الحالي.
كل ما صرح به الصندوق صحيح، ويأتي من باب الثناء والمدح للسياسة الاقتصادية الاردنية ومدى التزام الحكومة ببنود اتفاق التسهيلات معه والقاضي بحصول المملكة على أكثر من ملياري دولار مقابل جملة من الإجراءات التي يتوجب على الجهات الرسمية القيام بها، مثل تغيير آليات الدعم، ورفع التعرفة الكهربائية، وزيادة الرسوم الضريبية والجمركية، وهذا ما تقوم به الحكومة فعلا.
لكن الصندوق يقدم تحذيرا شديدا للحكومة الأردنية حول تقاعسها في اتخاذ التدابير اللازمة حول عدد من كبريات المشاكل، التي تنمو في حضن الحكومة بدون أي إجراء وقائي.
الصندوق يقول أيضا بصراحة إن موضوع المديونية تجاوز كل حدود السقوف الآمنة التي من الممكن أن تجعل أي اقتصاد يتعامل بمرونة مع هذه الاشكالية، وإن الاقتصاد الأردني دخل فعلا في مرحلة عدم الأمان في ناحية المديونية، التي باتت الآن أبرز التحديات التي تواجه الأردن، وهناك إخفاق كبير في إدارة الدين العام، الذي ارتفع بدرجة كبيرة؛ فبينما كان الدين يمثل نحو 71 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2011 يتوقع أن يمثل في العام الحالي 2014 نحو 89 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي.
الصندوق إذ يثني على الاقتصاد فإنما يثني على الإجراءات الكفيلة واللازمة بزيادة إيرادات الخزينة، والكفيلة بالنهاية بتوفير أموال لسداد الدائنين، وعلى رأسهم صندوق النقد والبنك الدوليين، فهو مؤسسة إقراض وليست مؤسسة تنموية خيرية، ودوره الأساسي يقضي بضمان الدول لدى الدائنين فقط لا غير.
لكن في الوقت نفسه، يرى الصندوق، كأي مراقب أو مؤسسة اقتصادية، أن إدارة الدين في الاردن لا تسير وفق استراتيجة واضحة، وهي تتخبط، والأمر يتجه نحو الأسوأ، في حال عدم ضبطه والسيطرة عليه.
من هنا، نجد أن الحكومة تتغنى بثناء الصندوق لإجراءاتها المالية البحتة، لكنها تتجنب الحديث عن المخاطر، التي بدأت تحيط بالاقتصاد الوطني، نتيجة الادراة غير الحصيفة للاقتصاد الوطني، بيد أنه، في النهاية، لا يمكن للحكومة أو غيرها أن تخفي حقيقة أن أزمة المديوينة في البلاد دخلت ضن منحنى خطير، بشكل قد يعيد إلى الأذهان سيناريوهات أزمة الدينار سنة 1989.
[email protected]

