صحيفة الكترونية اردنية شاملة

العقبة الخاصة.. باريس وصومال‎

0

جلس النائب السابق إلى جانبي في الحافلة التي أقلتنا من مركز الاحتفال بمشروع زايد الذي دشن بعد بيع الميناء في العقبة فسألته (وهو من أبناء المدينة): كيف ترى العقبة بعد مرور ١٠ سنوات على تحويلها إلى منطقة استثمارية خاصة؟ أجابني بهدوء: باريس وصومال. مشيرا إلى أن بناء الفنادق وتنظيم الشوارع لا يعني أن المدينة تحولت إلى سنغافورة أخرى ولا إلى دبي مصغرة.
في هذه المقالة أطالب فقط بالشفافية (بصفتي مواطنا) وأطلب أرقاماً وحقائق ومعلومات عن ملف العقبة الاقتصادية ومقارنة المقدمات والوعود والأحلام بالوقائع والموازنات والنتائج، والأهم تعريف الناس بعوائد المنطقة الخاصة بالنسبة للتكلفة.
كنت جالسا في حفل إعلان قيام (العقبة منطقة اقتصادية خاصة) عندما غمرت الأضواء البيضاء والحمراء والزرقاء الحضور وهي تتماوج في القاعة لتسلبنا عقولنا وتعقد ألسنتنا وسط سيل وعود وأحلام (بمبيه) على رأي المصريين، فالمنطقة الصناعية ستستوعب ٧٥ ألف عامل، والسياح سيتقاطرون زرافات ووحدانا، بحيث ستختفي شرم الشيخ من الخريطة السياحية أما موازنة الدولة في (عمان المركز) فستتدفق عليها الأموال القادمة من العقبة لتساهم في رخاء رعايا المملكة من بطون وأصول وفصول.
اليوم، حجم العمالة متواضع جداً في المنطقة الصناعية، سواء في عدد المصانع او الأيدي العاملة، وهو لا يساوي واحد بالمئة من حجم النمو في اي منطقة صناعية اخرى في المملكة، واذا كان العمل متوقفا في عدد من ابراج العبدلي والدوار السادس منذ عدة سنوات، فإنك تشاهد في العقبة مشاريع سياحية كبيرة متوفقة او متعثرة. أما عن الأوضاع الاجتماعية فلا يأتينا من العقبة منذ سنوات الا أنباء الإضرابات والتوقف عن العمل في الميناء وأحاديث عن خسائر تتراكم. والسؤال الأهم هو: كم ورّدت العقبة أموالا الى الخزينة (خارج دخل الميناء والجمارك)؟ وإن كان العكس فليخبرنا (الأجاويد) كم صُرف عليها وكم خسرت الموازنة من عائدات جمركية بسبب إعفاءات المنطقة الخاصة؟
مشكلة العقبة الخاصة من البداية وجود (فوضى استراتيجية) في الهدف. مثل، هل المراد تحويلها إلى منتجع سياحي إقليمي ودولي أم إلى جبل على آخر ومنطقة صناعية؟
لتحقيق الهدف السياحي تم ارتكاب خطأين:
– الأول: مواجهة نقص الأموال من أجل إقامة بنية تحتية سياحية بتسليع أراضي الدولة بأسعار بـ”رخص البلاش” لإغراء المستثمرين غير الأردنيين بإقامة هذه البنية من فنادق ومنتجعات، لكن ما حدث هو استقطاب الباحثين عن الأرباح الطيارة، والذين أقاموا مشاريع متواضعة ربحوا منها الملايين ثم غادروا فرحين بما جنوا. لقد جنى سويرس عشرات الملايين من بناء منتجع واحد على أرض وشاطئ اشتراهما بأسعار رخيصة (هو في دولة بالعالم بتبيع شاطئ خاص إذا كان شاطئها بضع عشرات من الكيلو مترات وليس مئات وآلاف؟!).. وسويرس هو من أسمعني عبارة (هي بلدكم في زيها!!) في إشارة الى أرباحه السريعة في الاردن وخساراته الكبيرة في تونس والجزائر وغيرها.
– الثاني: كان الأجدى أن تقدم الحكومة في عمان على المبادرة في إقامة بنية تحتية سياحية جاذبة للمستثمرين وللسياحة. وقد سألت مرة وزير السياحة المصري الأسبق ممدوح بلتاجي سؤالين:
١- هل سيكون هناك ربط سياحي بين العقبة وشرم الشيخ بحيث يقوم السائح الذي يزور طابا وشرم الشيخ بزيارة العقبة والعكس؟
٢- ما سر نجاح شرم الشيخ؟
عن السؤال الأول أجاب (لا لن نفعل لأنكم، ويقصد الأردن ، سارعتم بالاتفاق مع اسرائيل على جعل العقبة وإيلات في سلة سياحية واحدة، لهذا لن نتعاون معكم وسننافسكم). لقد نجح منتجع شرم الشيخ، ليس فقط بالحفاظ على سمعته السياحية، إنما باستقطاب غير عادي للسياح الأردنيين. وعن السؤال الثاني أجاب (عندما انسحبت اسرائيل من سيناء ناداني الرئيس مبارك وقال: نعمل آيه عشان نحول شرم الشيخ الى منطقة سياحية عالمية؟ فتقدمت له بمشروع بناء بنية تحتية بمليارات الجنيهات نفذه القطاع العام، من بناء فنادق ومنتجعات إلى أسواق، وهكذا تحولت شرم الشيخ إلى مركز استقطاب استثماري وسياحي عالمي لا ينافس).
في نهاية (السولافة) العقباوية أقول: رجّعوا العقبة الى حضن كل الأردنيين الذين بنوا البلاد بأموالهم وأحلامهم وجهدهم. وامنحوا الامتيازات للمستثمر الاستراتيجي فقط ولرأس المال الأردني واحفظوا قيمة الأرض. منذ تخصيص العقبة بُنيت أحياء ومشاريع سكنية كبرى بأضعاف حجم العقبة، في عمان والبحر الميت، وجميع المدن الأخرى خلال المدة الزمنية نفسها، ولم يُعطل هذا النمو وصول أسعار الأراضي إلى مستويات خيالية، لقد بنيت عشرات الفنادق والمولات والمطاعم والأسواق وكلها أدخلت إلى الخزينة عوائد ضريبية بالمليارات، مع التذكير بأن أهم المنتجعات السياحية والفندقية في العقبة بنيت من قبل الضمان الاجتماعي ورجال أعمال أردنيين برأسمال أردني؛ فلماذا (الخاصة)!!
أقنعوا الشعب بجدوى بقاء الوضع على حاله في العقبة بالأرقام في جردة حسابية شفافة، لنتعرف على النجاحات إن وجدت، فإن لم توجد لتعود العقبة ميناءً للأردن والأردنيين، بدون خاص وخاصة، فقد تتحول إلى درة البحر الأحمر وأهم مدنه الساحلية بإرادة الأردنيين وأحلامهم، وطموحهم الذي تجسد في عمان واربد والبحر الميت. ولا يجوز أبدا أن تُنفق الملايين على فشل في العقبة (إن وجد) على غرار قصة الإنفاق على خسائر الملكية بحجة (الناقل الوطني)!
العقبة بفرادتها كميناء وحيد للبلاد يفترض أن تكون عامة لا خاصة، وتستحق نموا بالعمران أضعاف أضعاف ما هو موجود. لنعمل كأردنيين لكي تكون العقبة إسكندرية أخرى، وليس كشرم الشيخ فقط، ولنضع حدا للمشاعر الخاطئة بأن العقبة تقع في بلد آخر؛ فهي ليست جزيرة في المحيط إنما (ثغر) الأردن.
[email protected]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.