موازنة 2015: ما لها وما عليها
من قراءة الخطوط العريضة لمشروع قانون موازنة العام المقبل 2015، يتولد قليل من التفاؤل بأن الحكومة بدأت تتحسس الجرح وتضع يدها عليه؛ في محاولة لاجتراح حلول لمختلف المشاكل المالية، بأفكار محلية خصوصاً، بعيدا عن وصفات صندوق النقد الدولي.
العلامة البارزة للبدء بالإصلاح، تتمثل في تثبيت حجم الإنفاق في موازنة 2015 عند حدوده في العام الحالي، وبما يشي بأن الحكومة عرفت الطريق الصحيحة؛ إذ صارت تدرك أن الإصلاح لا يكمن فقط في بند الإيرادات وزيادتها، من خلال فرض رسوم وضرائب جديدة.
ففي مشروع موازنة العام المقبل، بقي حجم الإنفاق العامّ عند حدود 8 مليارات دينار؛ وإن كان الأفضل لو خُفّض قليلا، من خلال تقليص مخصصات بعض البنود، ومعالجة الهدر الكبير في الموازنة العامة، والذي قدره وزير المالية د. أمية طوقان، قبل فترة، بحوالي 20 %.
وإذا كان هذا التخفيض لم يحدث للأسف، إلا أن المريح تجميد الحكومة حجم الإنفاق، كون عدم التوسع يعد، بحد ذاته، مطلبا إصلاحيا، وقد بدأ الآن بعد تأخر طال لسنوات.
أخطاء الحكومات المتعاقبة، بما فيها الحكومة الحالية، على صعيد الموازنات العامة، تجلت كارثيتها باللجوء إلى التوسع غير المستند إلى معطيات تنسجم مع إمكانات البلد المالية. ففي العادة، كانت الحكومات “تشطح” في تقدير حجم الإنفاق، فتزيده من دون إدراك لمخاطر ما تفعل على الاستقرار النقدي والمالي. وهو الأمر الذي أدى إلى ارتفاع حجم الموازنة خلال عقد من الزمان، ليقفز من 3 مليارات إلى 8 مليارات دينار.
ما يتسرب من معلومات يؤكد أن تحديد سقف الإنفاق هذه المرة جاء بمبادرة من رئيس الوزراء د. عبدالله النسور؛ إذ كلّف وزارة المالية بناء موازنة لا يزيد حجمها على موازنة العام الحالي.
البند الثاني الذي يشير إلى احتمالية تحسن أداء المالية العامة، يرتبط بزيادة قدرة الإيرادات المحلية على تغطية الإنفاق الجاري للحكومة المركزية بنسبة تصل إلى 90 % من إجمالي حجم هذا الإنفاق؛ إذ تقدّر الإيرادات المحلية المتوقعة بحوالي 6.2 مليار دينار.
لكنْ؛ إذا كان صحيحا تماماً أن الحكومة تبنّت منهجاً إصلاحياً بتثبيت حجم الإنفاق، إلا أنها لم تراعِ، في المقابل، نقاطاً لا تقل أهمية ضمن هذا المنهج، تبدأ من تطبيق مفاهيم الحاكمية الرشيدة، ودمج المؤسسات المتشابهة وإلغاء بعضها؛ كما إعداد موازنة واحدة للبلد، بدمج موازنة المؤسسات المستقلة بالموازنة العامة؛ إلى جانب تطبيق مبدأ المتابعة والمحاسبة على الإنفاق، والتخفيف من الهدر فيه.
مشروع قانون الموازنة أَهمل، أيضا، وضع استراتيجية فاعلة لسحب فتيل قنبلة الدين العام، كما لتنويع مصادر التمويل، مع التذكير أن الحكومة ستصدر صكوكا إسلامية. بالنتيجة، بقي ملف الدين هامشيا، رغم مخاطره وتبعاته المدمرة على كل أردني.
لست من أنصار النسب المئوية، فالأرقام المطلقة برأيي أهم بكثير. لكن ما نحتاجه، حتى بالاستناد إلى النسب، لم تحققه موازنة العام المقبل، علماً أن الطريق طويلة؛ إذ نحتاج إلى تحقيق عجز في الموازنة يبلغ 0 %، مع دين عام لا يتجاوز نسبة 60 % من الناتج المحلي الإجمالي، فيما هو يقفز اليوم على 80 %.
وما يزال أمامنا الكثير لنفعله لتخفيض نسبة النفقات الجارية إلى الناتج المحلي الإجمالي، وفقا للمعايير الدولية، وأيضا تعزيز كفاءة الإنفاق العام.
تقييم الموازنة العامة والإصلاح المالي يتم بأداتين فقط، هما: حجم العجز والدين. وأمامنا الكثير لإحداث فرق فيهما؛ فكم سننتظر؟ وهل يتحقق ذلك قبل أن تفلت الأمور من عقالها؟
الغد

