مطر.. بلا نشيد!
جلبت عودة الأجواء الشتائية بعض السلوى للذين ما يزالون يحتفظون بجين الفِلاحة الموروث. وعلى النقيض، تسبب المطر بالغمّ لأنصار المدينة والصيف الذين لا يتذكرون مواسم الحصاد، ويفكرون بالشتاء كزمن ثقيل مقبض معادٍ للانطلاق. الفلاحون لم يكونوا يعادون الشمس أيضاً. كانوا ينتظرون “الموسم” ليجنوا ثمار التعب. لكن علاقتهم التفصيلية بسر دورة الحياة؛ من البذرة إلى النسغ إلى الثمر، جعلت للشتاء عندهم طبع الضرورة المقرونة بالجماليات. لذلك، يبدو الساخطون من المطر في عين الذين كانوا يستمطرون السماء بالطقوس، مصدر حيرة. إنهم ينكرون نفس الكيفيات المطلقة التي تجعلهم أحياءً في المقام الأول: الماء؛ مصدر القوت، وكل مشهد بديع تعرضه الطبيعة -الحياة نفسها، باختصار.
عندما هطل المطر غزيراً هذه الأيام، استقبله “الرومانسيون” أولاً بتهلل. تسمّروا وراء زجاج النوافذ والشرفات، وشاهدوا فضة السماء وهي تسيل. لكن سيل الأخبار سرعان ما نقل صور الشوارع والأنفاق التي غمرتها المياه -حتى أن السيارات غرقت في بعض الأماكن. لم تتجاوز مدة الهطول التي تسببت بذلك وقتاً كثيراً. ماذا لو أن المطر هطل بغزارة عشر ساعات مثلاً؟ هل نحتاج -استراتيجياً- إلى صناعة “سفينة نوح” نضعها على أعلى قمة في البلد، لتحمل من المخلوقات اثنين اثنين؟!
المبتهجون بالمطر أولاً تغيّر مزاجهم؛ الذين في الأعمال تحسّبوا من رحلة العودة إلى المنزل، والذين في المنازل قلقوا على الغائبين. إذا واصل المطر زيارته الكثيفة، ستتقطع بالسائر السبل، مثل التائه في الصحراء أو الهائم في مناطق الكارثة. سوف تهلك المركبات والناس والزرع والضرع. هكذا أخلت الجماليات مكانها للتساؤلات العملية المخيبة، عن مستوى خدمة الطرق وقنوات التصريف.
“كأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا”. بعد أن غرقت سيارات المواطنين وتهددت أرواحهم في أنفاق عمان الحضَرية نفسها -ليس في قيعان السيول والأودية البعيدة- وبعد كل الحديث عن “أليكسا” ومخلفاتها، يُفترض أن يكون الدرس قد وصل بقوة: يجب الاستعداد للشتاء بما يليق بالمدن الحضرية حتى تمضي حياة الناس طبيعية. لماذا لم نشاهد هذه الفوضى الشتوية في السبعينيات والثمانينيات؟ هل أصبح ضغط السكان أكبر من قدرة الخدمات والدولة، أم عادت الأشياء إلى الوراء؟!
يذكرني المطر دائماً برائعة الشاعر الراحل بدر شاكر السياب “أنشودة المطر”. قرأ الكثيرون من النقاد تلك القصيدة على أنها احتفال بالثورة. وهي في الحقيقة أنشودة شفافة، رددت مقاطعها ببراعة عبقرية إيقاع المطر، حتى كأنها صوته. فيها تجلّت كل المشاعر التي يفيض بها الشتاء، من جيشان العاطفة، والوحدة، والحنين إلى المفتقد، والاستبشار، والنضال المرير من أجل الحياة، إلى الأمل العنيد بقدوم الفرج. إذا دورة الفصول تدور، فإن نهوض الحياة قادم وحتمي لا ريب فيه. لكن الفقراء لا يحصلون على حصتهم من أسباب الحياة حين تفيض. الاستئثار الذي وصفه السياب في أنشودته: “وكلّ عامٍ -حينَ يُعشبُ الثرى- نجوع/ ما مرَّ عامٌ والعراقُ ليسَ فيه جوع”.
على النقيض من السياب، استعمل المعلقون الغربيون المطر -وتبعناهم- في مجاز لا يخصنا كثيراً. قالوا إن “الربيع العربي” حل أخيراً بعد “الشتاء العربي” الطويل. يبدو أنهم استلهموا المعنى من مطرهم الكثير حتى الملل. كان من الأنسب قول إن المطر انثال أخيراً على الصحراء العربية الجافة المتشوفة للماء! من أين لها الشتاء وأهلها جائعون، وآمالهم مجدبة، وآفاقهم سراب هارب؟! لكن ذلك لم يعد مهماً الآن. لقد تكشف “الربيع” الجاف عن حرائق، بلا ماء ولا اخضرار!
تحوّل مطرنا من بشير حياة، إلى طوفان يحمل الخطر، منسجماً مع ميل معظم انطباعاتنا الكونية نحو القتامة. وكله بسبب نفس الجوهر المعيب: سوء الاستعداد -سواء في البنية التحتية أو في عربة التغيير الاجتماعي والسياسي المهلهلة. الآن، لم يعد المطر يحرض المزيد من النشيد الاحتفالي. ربما فقط تردّد أنشودة السياب الخافت في ذاكرة الحالمين: “في كل قطرةٍ من المطر/ حمراءُ أو صفراءُ من أجنةِ الزهَر/ وكلّ دمعةٍ من الجياعِ والعراة/ وكل قطرةٍ تُراق من دمِ العبيد/ فهي ابتسامٌ في انتظارِ مبسَمٍ جديد/ أو حُلمةٌ تورّدت على فمِ الوليد/ في عالمِ الغدِ الفتيِّ، واهبِ الحياة/ ويهطلُ المطرُ”!
الغد

