حرب العمائم وتحالف الفوضى
ارهاب يشعل إرهاباً ، وسط حرب بين عمائم سوداء وبيضاء تحل ذبح البشر وخلع الأحياء منهم من جذورهم الوطنية والقومية لصالح هويات جزئية صغيرة تضع البنية التحتية لتغيرات جيو سياسية تمزق الخرائط القائمة سعيا لتركيب اخرى . ولم يكن صعود ابو بكر البغدادي بعمامته السوداء على منبر مسجد الموصل ليعلن نفسه ( خليفة ) في دولته الاسلامية التي بدأت بإلغاء الحدود بين العراق وسوريا ، الا بداية النهاية لمرحلة تاريخية من صراع سياسي في الشرق الاوسط لكن بأبعاد دينية ، صراع بدأ في أفغانستان ويبلغ اليوم ذروته في سوريا والعراق واليمن . لقد تقدمت العمائم الى صدارة المشهد في هذا الصراع الوحشي بلا حدود ، لتضع عليه بصماتها بالجهاد التكفيري عند القاعدة وداعش من جانب ، وبتصدير الثورة عند ايران وحرسها الثوري وأنصارها من اصحاب العمائم السوداء والبيضاء على الجانب الاخر .
دشنت عمائم طهران هذا الصراع قبل ٣٥ عاما عندما أقامت دولة ( ولاية الفقيه ) الجعفرية التي تقابل منصب ( الخليفة ) عند السنة . ومنذ ذلك التاريخ انتشرت العمائم في العالم الاسلامي وتقدمت الى ساحة السياسة لتخوض معاركها بأبعاد دينية تكفيرية واقصائية ، فاسامة بن لادن وأيمن الظواهري ظهرا بعمائمهما البيضاء في بداية التسعينات ( بعد تشكيل القاعدة ) اي بعد اكثر من عقد على ظهور الخميني وعمامته السوداء على رأس جمهورية اسلامية (تقوم على المذهب الجعفري والى الابد) وفق المادة ١٢ من دستورها التي تجاهلت وجود ٢٠ بالمئة من السكان هم من السنة . واذا كان بن لادن قد اعلن ( الجهاد العالمي ) فقد سبقه الخميني بإعلان ( تصدير الثورة ) المتبلور الان بحزب الله وأنصار الله وعصائب الحق وأبو الفضل العباس والحرس الثوري الى آخر القائمة .
واذا أردت ان تعرف الصورة الحقيقية لهذه الحرب فتابع ما يجري اليوم في العراق في وسائل الاعلام ( غير الحكومية ) و ستصدم من الأهوال التي يتعرض لها العراقيون في محافظات الوسط الستة ، ففي الأنبار يقتل ويخطف ويهجر الاف السنة على يد عمامة البغدادي الغارقة بدماء عشائر البونمر السنية التي أعدمت ٥٠٠ واختطفت الف شاب منها. هذا في الوقت الذي يسقط فيه يوميا مئات المدنيين بين قتيل وجريح ومختطف في سامراء وديالى والفلوجة في حملات تصفية وإرهاب على يد ميليشيات ( تكفيرية ) تقتل السنة ويتزعمها سياسيون شيعة في الحكومة والجيش والأمن وسط تعتيم وتجاهل إعلامي عربي ودولي .
العمائم تخوض صراعا سياسياً لتغيير الحدود وتهجير الشعوب تحت رايات دينية ، وليس صحيحا ان ايران حامية للشيعة فهي تضطهد ٣.٥ مليون عربي في الأحواز مع انهم شيعة ، كما ان الدولة الاسلامية المزعومة ليست سندا للسنة بعد ما ارتكبته من مجازر ومذابح ضد عشيرة البونمر في الأنبار وفي مذبحة ابو حمام ضد رجال قبيلة الشعيطات في دير الزور السورية الذين أعدمت داعش منهم ٧٠٠ رجل في مذبحة واحدة . لقد بلغ عدد الضحايا السنة على يد داعش أضعاف أضعاف ما وقع لطوائف عراقية اخرى . وتمثل معركة كوباني تلخيصا لهوية الصراع فالاكراد الذين تقاتلهم داعش هم في غالبيتهم العظمى من السنة .
حرب العمائم الدائرة اليوم تسعى الى تغيير الحدود في المنطقة وتهجير الشعوب ونقل السكان من مكان الى آخر بما يسهل رسم خرائط ( سايكس – بيكو ) جديدة لإقامة كيانات سياسية بعد تفكيك الكيانات القائمة و بهويات دينية ضيقة تصب في خدمة مخططات ايران واسرائيل وأمريكا. ..نواة دولة داعش في الموصل والرقة يقابلها نواة دولة كردية تضم شمال العراق وشمال شرق سوريا وكلاهما بهوية سنية مع اختلاف اثني ، فيما يعاد رسم ما تبقى من جغرافية سوريا والعراق ولبنان على ضوء نتائج حرب التحالف وصراع العمائم .
حرب يبدو انها تستهدف الوصول الى طاولة ( يالتا ) مشرقية تجلس فيها امريكا وإيران لتقاسم الغنائم فيما تجلس اسرائيل وأنصار الطرفين في غرف مجاورة لتساهم في وضع اللمسات على خرائط الكيانات المطلوبة كما تمليها نتائج المعارك على الارض ، في يالتا الأوروبية قبل ٦٠ عاما جلس الحلفاء الأعداء ( روسيا وأمريكا وبريطانيا) لإعادة رسم حدود أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية بتقسيم دولها وشعوبها ، واليوم هناك تحالف أمريكي إيراني قائم عملاتياوميدانيا خارج التحالف الدولي المعلن لتوجيه مسارات صراع العمائم ، انها حرب الأضداد وتحالفهم ، التي تعمق الفوضى في الصراع لزيادة اشتعاله بدل سكب الماء عليه .
التحالف الدولي القائم بزعامة امريكا يستحق تسميته بتحالف الفوضى لان أعضاؤه العرب لا يعرفون شيئا عن اختلاط الاوراق متجاهلين ( التعاون الامريكي الايراني ) خارج التحالف الدولي مع الاستهانة بكل التحذيرات والتقارير المستقلة الصادرة عن عواصم الغرب التي أطلقها خبراء ورجال سياسة واستخبارات سابقين تؤكد بان هذا التحالف يخدم في النهاية ايران وأنصارها في العراق وسوريا واليمن . لقد وصفت استراتيجية اوباما بانها فوضى استراتيجية وأصفها بانها (تحالف فوضى) متعمد لتغطية الهدف الرئيس وهو تقسيم العراق وسوريا وربما اليمن .

