صحيفة الكترونية اردنية شاملة

هل خسر الإعلام معركة “استقلال القضاء”؟

0

تسهم وسائل الإعلام، بشكل أو بآخر في تحديد أولويات الجمهور، وإعادة ترتيبها، تفعل ذلك، عندما تحدد القضايا التي ستحظى بالمتابعة والتحليل، والمساحة الأكبر من التغطية، فتوجه اهتمام الجمهور إليها، وتجعل منها مادة للنقاش العام، أو على النقيض من ذلك، عندما تغفل قضايا معينة، أو تمر عنها مرورا عابرا، ثم تزيحها من الواجهة الرئيسية للمشهد.
ومن تابع التغطية الإعلامية خلال أيلول (سبتمبر) الماضي لما عُرف بقضية “ذهب عجلون“، ورأي كيف انشغل الإعلام، وشغل الناس، خلال العشرة أيام التي تفاعلت فيها القضية، بخبر “العثور على كنز”، في وقت كانت تمرّ فيه بهدوء، قضية مركزية، هي مشروع قانون “استقلال القضاء” ، الذي أقره مجلس الأعيان بالتزامن مع حادثة عجلون، سيجد أن هذا كان تطبيقا عمليا على ذلك.
لقد مرّرت الصحف، بهدوء، مشروع قانون بحجم “استقلال القضاء”، أحد أكثر القوانين ارتباطا بمصالح الناس، وصمام الأمان لجوهر وجودهم المادي والمعنوي في وطنهم، وخلال الستة أشهر التي قطع فيها مراحله الدستورية، منذ إقراره في مجلس الوزراء، يوم 30 آذار (مارس) الماضي، مرورا بمجلس النواب، ثم إقراره في “الأعيان”، يوم 21 أيلول، فإنها لم تنبّه الجمهور إلى مكانة هذا القانون في حياته، وتأثيره فيها، ولم تتابع تطورات صياغته، بتغطيات نوعية، تكفل تحوّله إلى موضوع للنقاش العام، الأمر الذي كان سيسهم في تشكيل رأي عام فيه، ما يضمن في النهاية جودته، ووصوله إلى أهدافه الإصلاحية، إذ يثبت التحليل أن التغطية في الصحف الخمس، اشتملت على الاختلالات المهنية الآتية:
*ضعف التغطية كميّا، وعدم تناسبها مع أهمية القانون، لا من حيث المساحة، ولا من حيث عدد الأخبار، التي كانت في حدّها الأقصى، عند إحدى الصحف 18 خبرا، خلال 6 أشهر، أي بمعدل 3 أخبار في الشهر، في حين كانت أقل من ذلك في باقي الصحف. وعلاوة على ذلك، فإنه كما سيتضح من التحليل، فإن أكثر من نصف هذا العدد في ثلاث صحف، وما يقارب النصف في صحيفة رابعة، كان مواد صحفية جاهزة.
*غطّت الصحف مشروع القانون منزوعا من سياقه، فلم توضح حقيقة أن هذا المشروع يأتي استجابة للتعديلات الدستورية للعام 2011، إذ لم تربطه التقارير والأخبار، إلا بشكل عابر ومبهم بهذه التعديلات. كما أن التغطية لم تنبه إلى مشروع قانون سابق لاستقلال القضاء، سبق لمجلس النواب أن ردّه، في حزيران (يونيو) 2013، لمواجهته معارضة واسعة وسط القضاة.
*لم تعرض التغطيات، بشكل أمين ومتوازن، موقف القضاة من مشروع القانون، فلم تنقل، بشكل حقيقي للرأي العام، الجدل المصاحب للمشروع في الوسط القضائي، ومعارضة قسم منه المشروع.
*لم تنقل التغطيات بأمانة وتوازن الجدل الذي كان مسرحه جلسات نقاش المشروع في مجلس النواب، فنُقل الجزء الأكبر من جلسات النواب على شكل “بلاغات”، قيل فيها للناس، إن النواب “أقرّوا” هذه المادة أو “وافقوا” على تلك، من دون نقل النقاش الذي سبق هذا الإقرار، أما في المواد التي نُقل انقسام النواب عليها، فإن التغطية كانت سطحية، اعتمدت مداخلات، كانت في الغالب، مبتورة أومشتتة، وخاضعة، في بعض الصحف، كما سيتبيّن، إلى الانتقائية.
ما سبق من ثغرات في التغطية، أدى إلى أن يُصدّر مشروع القانون إلى الجمهور ضبابيا، خصوصا المواد المفصلية فيه، مثل صلاحية المجلس القضائي إنهاء خدمة القاضي، والاستقلال المالي والإداري للمؤسسة القضائية، ومبدأ انتخاب أعضاء في المجلس القضائي. ولا يُقصد بالضبابية المستوى المباشر للفهم، إذ سُردت جميع هذه المواد بلغة واضحة، ولكن الضبابية هي في علاقة هذه المواد بجوهر استقلال القضاء، وما إذا كانت التغييرات المقترحة في المشروع الجديد تحقق ذلك.
ولم تدعم الصحف تغطيتها، إلا في ما ندر كما سيتّضح، بتقارير تحليلية تضيء الجوانب المهمة في المشروع، وتربطها بسياقها الأهم، وهو مصالح الناس، فتكشف لهم العلاقة بين النصوص القانونية الجامدة ومصالحهم المباشرة، وتنهض بجوهر مسؤولية الإعلام، في أن يوجه بوصلة اهتمام الجمهور إلى ما يؤثر في حياته حقا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.