قرارات صعبة لكنها !!
أحاديث رئيس الوزراء الدكتور عبد الله النسور في الشأن الاقتصادي دائما ما تنصب على وصف حكومته بأنها أنقذت الاقتصاد الوطني من الانهيار وحمت الدينار بفعل ما اتخذته من قرارات صعبة غير شعبية، أدت إلى الخروج من المأزق، على حد تعبيره .
والرئيس يصر دائما على أن حكومته اتخذت ما عجزت عنه الحكومات السابقة من إجراءات تتعلق برفع أسعار المحروقات، ومواجهة تيارات شعبية مناوئة للقرارات الحكومية، لكن في النهاية انتصرت خطط الحكومة وتغلبت على استياء الشارع، وهو ما جعل حلفاءه، خاصة من النواب، يصفونه بأنه قادر على اتخاذ قرارات غير شعبية، وتحمّل ردة فعل الشارع بشكل أكبر من سابقيه.
في الحقيقة أن كل تلك الأوصاف لا تمت للواقع بأي صلة؛ فالحكومة الحالية حالها حال أكثر من عشرين حكومة سابقة، بعضها كان الرئيس النسور وزيرا فيها، أخذت على عاتقها رفع أسعار المحروقات، الذي بدأت إجراءاته فعليا منذ عهد حكومة الكباريتي في سنة 1996، ولم نسمع أن حكومة في عهد الملك لم تتخذ قرار بالرفع سوى حكومة الطراونة الأخيرة، التي لم تدم سوى ثلاثة أشهر، في حين أن باقي الحكومات رفعت أسعار المحروقات، لا بل أن بعضها، مثل حكومة نادر الذهبي، اتخذت قرارا بتحرير كامل لكافة أسعار المشتقات النفطية باستثناء اسطوانة الغاز، وهو ما اعتبر في ذلك الوقت أهم انجاز في قضايا الدعم، التي اختفت تقريبا مخصصاتها الخاصة بالمحروقات في موازنة ذلك الوقت .
ولا ننسى أن حكومة عدنان بدران، التي شُكلت في أكثر الأوقات صعوبة على الاقتصادي الأردني بعد غزو العراق، قامت هي الأخرى، رغم كل التحديات الداخلية والخارجية التي واجهتها، برفع أسعار المحروقات ثلاث مرات في ستة أشهر، فهل نعتبر أن هذه هي أقوى حكومة في عهد الملك عبد الله؟
رفع أسعار المحروقات ليس له علاقة بقوة الحكومة أو جرأة رئيسها وفريقه الوزاري، فالكل رفع والكل واجه استياء الشارع بأشكال مختلفة، والكل ركز في خطابه الإعلامي مبررا قرارات الرفع غير الشعبية بأنها ضرورية لإنقاذ الاقتصاد الوطني من أزماته المزمنة، والنتيجة أن ما يحصل هو أن الأسعار ترتفع والدعم يقل، مقابل زيادة في مؤشرات العجز والمديونية، ما يدلل على أن الجميع لم ينفذ خطة اقتصادية لتحفيز الاقتصاد الوطني ومعالجة اختلالاته .
أما معالجات الحكومة واستيعابها لموقف الشارع فالأمر ليس بهذا التصور الذي تحاول الحكومة أن تجيره لها، فجميع سياسات الاحتواء التي اتبعت مع الشارع والحراكات المختلفة تمت وفق رؤية أمنية بحتة، وليست حكومية كما يصور البعض؛ فالحكومة الحالية هي الأقل تواصلا مع فعاليات المجتمع، وبالتالي لا تستطيع أن تحاور أو تستوعب حراك الشارع، الذي احتاج إلى معالجات أمنية مرنة استطاعت بشكل متدرج أن تحتويه.
القرارات الصعبة قد تكون مفيدة لوقت زمني محدود، وتميز الحكومة في هذه الحالة لا يكون فقط باتخاذ تلك القرارات وإنما باستكمال منظومة الإصلاح المبني على الاعتماد على الذات وإزالة التشوهات بين القطاعين والعام والخاص، أما الاكتفاء بقرارات مالية بدون النظر إلى أثرها السلبي وبدون الأخذ بعين الاعتبار تحفيز الاقتصاد ومعالجة التشوهات الاجتماعية التي أحدثتها تلك القرارات، فان الاقتصاد الوطني سيبقى يدور في حلقة مفرغة.
[email protected]
[email protected]

