صحيفة الكترونية اردنية شاملة

طقوس القراءة والكتابة

0

تحولت القراءة والكتابة إلى فعل يومي، لم نعد نلتفت إليه كثيرا. وفي أحيان قليلة، عندما نقرأ بهدف التثقيف والاستمتاع، نستحضر طقوسا كأن الذاكرة العميقة للإنسان تستعيدها عندما كانت القراءة والكتابة أهم فعل وتحول حضاري واجتماعي واقتصادي في حياة الإنسان.

تسيطر عليّ طقوس ورموز غير مفهومة، وتبدو غير منطقية أو مبررة وكأنها وثنية، في أثناء القراءة والكتابة، لكني لا أستطيع كسرها. فمثلا، إذا كنت بدأت بكتابة مقال أثناء العمل في مكان، ونقلت الملف معي، فإنني أشعر أني غير قادر على استئناف العمل على المقال إلا في المكان الذي بدأت فيه العمل عليه. وأحاول أن اشتغل في البيت على مقال آخر أو مشروع آخر. وقد أمضيت أكثر من سنة حتى استطعت أن أجد في البيت زاوية آلفها، أستطيع أن أقرأ فيها وأكتب. والآن، لم يعد ممكنا أن أقرأ وأكتب إلا في هذه الزاوية! هناك خرافات أخرى كثيرة، لكنها تعمل بفعالية، ولا يمكنني رفضها أو معاندتها؛ ولماذا أفعل ذلك طالما أن الخرافة تساعدني أكثر على القراءة والكتابة؟

هناك أمكنة أمضيت فيها سنوات، لم أستطع أن أفكر فيها أو أنجز شيئا. مكتبة الجامعة الأردنية على سبيل المثال، لم أقدر على المكوث فيها، ولا البحث فيها عن كتاب أو الاستعارة منها. وقد وجدت الصديق نارت قاخون، الأستاذ بالجامعة الأردنية، يقول إنه لم يستطع القراءة في مكتبة الجامعة طوال سنوات الدراسة بمراحلها الثلاث والعمل في الجامعة، ولا حتى الاستعارة منها. وأتوقع أن من أسباب ذلك طريقة حفظ الكتب في المكتبة، والتي تحولها إلى مستودع يبعث على الشعور بالضيق والانقباض!

العكس كان يحدث معي في مكتبة جامعة الملك عبدالعزيز أثناء الدراسة فيها، والتي كنت شبه معتكف فيها، أمضي هناك وقتا أكثر من الموظفين. بل وكنت أتأخر في العطلة الصيفية ولا أعود إلى عمان، لأمضي معظم العطلة متفرغا للقراءة فيها، هذا برغم أن مبنى مكتبة جامعة الملك عبدالعزيز متواضع جدا وضئيل، بالنسبة لمكتبة الجامعة الأردنية. طبعا أتحدث عن أوائل الثمانينيات، ولا بد أن الوضع تغير الآن. كان المبنى برغم تواضعه مصمما في داخله بطريقة مريحة ودافئة، تشجع على المكوث فيه طويلا. وكان بجانب المكتبة مكان يقدم المشروبات، تعرفت فيه للمرة الأولى على “الكابتشينو”. وكان ذلك مصدرا للتندر بالنسبة للزملاء؛ فإذا لعبت التنس جيدا أو كنت رائقا، يقولون: لا بد أنه الكابتشينو، والعكس صحيح أيضا!

الصديق أحمد الغرايبة، وهو قارئ دؤوب، يقول إنها الألفة مع العادات والأمكنة والأشياء. هو، مثلا، يحب القراءة مضطجعا، ولا ينعس في ذلك ولا يمل، فيما لا يستطيع القراءة وهو جالس إلى المكتب.

ويمكن أن نجد في الكتب والمصادر التاريخية قصصا ومساحات واسعة عن الكتب والقراءة في التاريخ والحضارات والمجتمعات. وكنت أخطط أن أعرض شيئا من ذلك، وقد جمعت بالفعل صفحات عدة. لكن المساحة المخصصة تجعلني أؤجل ذلك إلى يوم الجمعة المقبل.

الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.