الجدران التي ليس لها آذان
ما قبل حقبة الانفتاح على الرأي والتعبير عن الرأي الآخر
ما قبل الفعل التداولي للحرية الشخصية والإعلامية، والتداول الشعبي للاستنكار والشجب النخبوي للسلطوية وممارساتها الفعلية والمحتملة للفساد وتقاسم الثروات والمؤسسات باعتبارها مخصصات سياسية للسياسيين
ما قبل هذا..
كانت جدران عمان لها آذان، وكانت جدران المدن الأخرى والقرى لها آذان كبيرة تسمع دبيب النملة، وتسمع الهمس والكلام الصامت الصادر عن أفواه الناس على قلة ما كانوا يهمسون ويتداولون بصمت حزين استياءاتهم من السياسة وممارساتها المحروسة بمنطق ( الحيطان لها آذان( ..
الحيطان التي كانت في دول أخرى صفحات رأي وورق أبيض للتعبير عن الموقف، كانت في عمان لها آذان، ولأن الحقب تكتسب سماتها من راهنها، كان الفساد في حقبة الحيطان التي نبتت لها آذان مستوراً ومتوارياً خلف الجدران..
الآن، في حقبة الحريات، والتظاهرات والجدران الملساء، اكتسب الفساد سمته من راهنه، أخذ نصيباً جيداً من الحرية، صار ( ع المكشوف ) وبلا حُجب، وبلا تبريرات..
إنه تحول غريب ومريب، وضد النسق الطبيعي للتحولات من هذا النوع، مع الحرية والقدرة على التعبير كان يجب أن يحدث العكس تماماً، أن يتحرك الفساد في الظلام، والزوايا المخفية التي لا تلتقطها عين الكاميرا أو الكلمة.. غدا كل شيء مفضوحاً، واللعب ع المكشوف..
أتساءل، ما الذي أفدناه نحن الأردنيون من حقبة الانفتاح والحرية والقدرة على التعبير، والديمقراطية والانتخابات، في الوقت الذي تصدق فيه الناس عيّاري السلطة، تصدق أيضاً أنها تناضل في سبيل حريتها، وحياتها ومعاشها.. ما زال الشعب بفقرائه، وما زالت السياسة والسلطة بعيّاريها، وحدها الجدران التي تخلت عن آذانها، فهي لا تسمع.
الجواب: لأن ( حيطنا واطي ).. ( ربما أنتج الجواب سؤالاً كان عنه السائل غافلا )، كما قال صديق الأيوبيين بطرس السدمنتي.

