الحرب على ‘داعش’: مسارات غامضة..!
نشرت وسائل الإعلام صوراً لأتراك ولاجئين سوريين يشاهدون تقدم “داعش” إلى كوباني المجاورة من خلف السياج الحدودي بالعين المجردة. وعرضت التقارير تلالاً وسهولاً جرداء حول تلك المدينة. فكيف حدث أن طيران التحالف لم يوقف مقاتلي “داعش” الزاحفين في العراء، بدباباتهم ومدافعهم؟ هل تكون فكرتنا عن جبروت القوة الجوية مغلوطة، وقد أفهمونا أن الطائرات الفتاكة تحدد هويات الأفراد وتصطادهم، حتى بلا طيار؟ ما تزال في الأذهان صور جهنم التي صبتها طائرات التحالف على كابول ثم بغداد في مطالع الألفية، وحطمت جيوشاً نظامية في أيام. وبعد ذلك شاهدنا إيقاف الطائرات تقدم قوات القذافي نحو بنغازي وتدميرها في الطريق، فكيف تزحف قوات “داعش” بحرية وكأن طائرات التحالف ذباب يطن ولا يؤذي؟ ما هي هذه “الداعش” حتى يقولوا إن إضعافها سيستغرق سنوات؟
يفسرون عدم ظهور أعراض التأثر بالغارات بأن الدواعش غيروا تكتيكاتهم؛ أصبحوا يذوبون في المناطق المأهولة بالسكان مستغلين حرص المغيرين على عدم إصابة المدنيين؛ أصبحوا يسيرون على الأقدام بدل استخدام الآليات، وهكذا. لكن ذلك ينبغي أن يقيّد حركتهم ويدفعهم إلى الانكماش، بينما نراهم يتوسعون وينتشرون ويكسبون المعارك ضد أي قوة. وبذلك، تعززت نظرية العدد المتكاثر من مواطنينا وغيرهم ممن يقولون بأن مقاتلي “داعش” ينجون من الطائرات لأنهم “مجاهدون في سبيل الله”، يعصمهم إيمانهم ويعمي عنهم الأعدناء. الآن، أصبح الخوف المحليّ المبرر من احتمال قدوم داعش أو تنفيذها هجمات في الأردن يخلي مكانه بوضوح للتعبيرات المؤيدة، أحياناً بمبرر أن المجموعة تواجه أميركا –على طريقة صدام والقذافي في الزمن الفائت- ولذلك تتوجب نصرتها بلا تفاصيل، وأحياناً بعنونة الصراع بأنه المعركة المنتظرة بين الكفر والإسلام، نقطة! وثمة رأي ثالث يقول إن التحالف يتعمد عدم الحسم، لأن الغاية من تأسيس “داعش” لم تُستنفد بعد، وأن المجال يتسع للمزيد من تدمير المنطقة. ربما!
في الشمال، كشفت أحداث كوباني المزيد من تناقض الموقف التركي هو الآخر. الكل يعرف أن تركيا سهلت عبور الجهاديين إلى سورية فالعراق وبالعكس، وهيأت لهم إعادة تجميع أنفسهم في أراضيها. وفي نفس الوقت، ذكرت تقارير أن المتطرفين ينشطون في أوساط الأتراك ويجندون الكثيرين منهم، وهو ما يجب أن يكون منذراً لحكومة أنقرة. ثم أصبح الجهاديون المتطرفون على الأبواب، فتصور الجميع أن القيادة هناك استصدرت تفويض برلمانها بالحرب لكي تضرب الدواعش عن الحدود، لكنها تركت الأكراد في كوباني يواجهون الكارثة وحدهم. وهذا ينسجم مع رغبة الحكومة التركية في رؤية الأكراد يتحطمون، لكنه يثير الانطباع بأن الأتراك يلعبون بالنار أيضاً ولا يعرفون ماذا يفعلون.
الساسة والمحللون يركزون على استحالة إلحاق الهزيمة بداعش بلا قوات برية. والقائد العام للهجوم، باراك أوباما، يقول إن الأحذية العسكرية الأميركية لن تطأ أرض المنطقة، وكذلك جنود بقية المتحالفين الغربيين. مع ذلك، تتكرر الإلماحات إلى قدوم التدخل البري حتماً. ويقول كثيرون إن المهدَّدين مباشرة هم المعنيون بغرم خوض المعركة البرية. بهذا يكون الأردن مرشحاً فوق العادة لمطلب الاشتباك العسكري على الأرض، بوصفه أقرب أهل المنطقة، إلى جانب تركيا. لكن ذلك سيعني وضعنا في “بوز المدفع” وتوريطنا فيما يتهرب منه: الخسائر في أرواح الجنود ووضع استقرار البلد في مهب الريح. كان الكثيرون قد حذروا منذ البدايات من انجرار الأردن إلى الصراعات المجاورة وتوخي الحياد بأقصى الطاقة. ويمكن للجميع تقدير مدى الالتزام بتلك التحذيرات، لكن مضمونها يصبح أكثر صوابا باطراد، وبمزيد من الدعم المنطقي. مع أن الكل يتخبطون، أو يتصرفون بمكر لا نفهمه، فإننا الأكثر تضرراً إذا سرنا خبط عشواء بطريقة رد الفعل وبلا استراتيجية. إن أوضاع الأردن المخصوصة لا تمكنه من تحمل كلفة الخطأ مثلما يتحملها الأقوياء.
لعل مصلحتنا هي الحفاظ على أقل قدر من الاشتباك في هذه الفوضى، والاعتذار بها عن حل الأزمات المحلية. لن تنفع عندنا وصفة تفريغ الاحتقانات الداخلية بفتح جبهة خارجية إذا كان يمكن تجنبها. ستكون هذه إدارة خطيرة للأزمة ولن يمكن التهرب من النتائج. ربما تكون تقوية التلاحم الداخلي، بالإصلاح وتحسين الأحوال وتبديد ما يفرق، هي مساهمة الأردن الأصلح استراتيجياً في الحرب على التطرف.
الغد

