صحيفة الكترونية اردنية شاملة

نواب البزنس. . متى نقول وداعا؟

0

السؤال الذي يتوج هذه المقالة يتردد في ذهني منذ فترة طويلة . وأعتقد أنه يتردد أيضا في أذهان الكثيرين من أبناء الوطن ، ولكننا مع الأسف لم نسمع إجابة شافية . فتجاربنا خلال العقود الثلاثة الأخيرة برهنت لجميع المراقبين، أن من يحتكر الدخول تحت قبة البرلمان هم الأثرياء ورجال البزنس . لأنهم القادرون على استعمال سطوتهم المالية وشراء الذمم ، مستغلين حاجة المعوزين لتحقيق أهدافهم في استثمار مضمون النتائج ، يعود عليهم بفوائد معنوية ومادية متعددة .
فالنائب في البرلمان اكتسب هذه الصفة من كونه يمثل مجموعة من أبناء الشعب، انتخبوه لينوب عنهم في معالجة قضايا الوطن ويدافع عن حقوقهم ، ويسهم في سن التشريعات التي تنظم عمل أجهزة الدولة ، ومراقبة تطبيقها على أرض الواقع ، تجسيدا للممارسات الديمقراطية التي تطمح إليها الشعوب المتحضرة. وانطلاقا من هذا المفهوم أتساءل : هل يجسد نوابنا الأكارم في هذا المجلس وما سبقه من مجالس نيابية ، إرادة الشعب الذي انتخبهم تجسيدا حقيقيا ؟ أعتقد أن الجواب الذي يشاركني به معظم المواطنين سيكون بالنفي .
من المؤكد أن قوانين الانتخاب لها أثر كبير في إنتاج نواب الأمة . فإذا صُمّم قانون الانتخاب ليعبر عن إرادة الشعب الحقيقية وتم تطبيقه بنزاهة وشفافية ، فإنه سينتج نواب وطن يحرصون على أمنه ويحافظون على مصالحه ومصالح شعبه . أما إذا كان قانون الانتخاب متخلفا أو غير ديمقراطي ، فإن إنتاجه سيكون سالبا يفرز نوابا ضعفاء ، يضرون بقضايا الوطن والأمة ويحبطون آمال ناخبيهم .
إن قانون الانتخاب الأردني ذي الصوت الواحد الذي جرت بموجبه الانتخابات الماضية ، حتى وأن زُيّن بديكور القائمة الوطنية هو قانون مشوه ، أنتج نواب حارات لا يمثلون مكونات الشعب الأردني بصورة صحيحة . فمعظم إنتاجه من النواب هم من أصحاب المقاولات والمصالح التجارية ، القادرون على شراء اصوات الناخبين بمختلف الوسائل ، المالية والعينية الظاهرة والمستترة . ولن أفشي سرا إذا أعلنت بأن أحد النواب الحاليين يتحدث عن رصده مليوني دينار لاستخدامها في مصلحته خلال الانتخابات القادمة .
ومن الشواهد على سوء أداء هذا المجلس تغيب بعض النواب في أحيان كثيرة ، عن الجلسات التي تبحث في قضايا تهم الوطن والشعب . وفي حالات أخرى ينسحب معظمهم من الجلسة تلاحقهم نداءات الرئيس ، للعودة إلى مقاعدهم حفاظا على النصاب القانوني للجلسة . وهناك الكثير من الأمور التي مررها المجلس دون حساب منها على سبيل المثال : قضية الكازينو ، إنشاء المفاعل النووي الذي سيوقعنا تحت خطري تلوث البيئة وزيادة المديونية ، عدم محاسبة الحكومة على تزايد المديونية بمعدل مليارين ونصف دينار سنويا ، وعدم المشاركة في قرار الحرب على داعش الذي أعلنه رئيس الوزراء . جلسة واحدة هي التي اجتمع بها المجلس بكامل نصابه من النواب وسجلها التاريخ كسابقة لهم ، وهي الجلسة التي خصصت لزيادة رواتبهم ومنحهم تقاعد الوزير بعد خدمة سبع سنوات ، في ظروف مادية وأمنية حرجة وفي تحد صارخ لمشاعر الشعب .
أعتقد أن عمل النواب هو من أخطر الأعمال التي يقوم بها رجال الدولة . فهم من يشرّعون للحرب والسلام ، وهم من يوافقون على الأحلاف والاتفاقيات التي تعقدها الحكومة مع الدول الأخرى ، وهم من يشرعون قوانين الدولة ، وهم من يقررون الموازنة المالية للدولة ، وهم من يعطون الثقة أو يحجبونها عن الحكومة ، وهم من يراقبون عمل الحكومة ومؤسسات الدولة المختلفة ، وغير ذلك كثير مما يتعلق بمختلف الشؤون الرسمية .
من المعروف أن من يشغل وظائف الدولة المدنية والعسكرية ، لابد له من امتلاك مواصفات معينة ، لكي يكون على مستوى المسؤولية التي تسند إليه وتتناسب مع متطلباتها العلمية والعملية . إلّا أن عمل النائب وعلى أهميته وخطورته لا يحكمه سوى شرطان هما : الحد الأدنى للسن ، وحصوله على أكثر الأصوات في دائرته الانتخابية ، وهذا باعتقادي خلل كبير يجب معالجته .
ورغم أن المشرّعين ودعاة الديمقراطية يعلنون بأنه لا يجوز وضع شروط لمواصفات النائب ، فإنني أختلف معهم وأقول : نظرا لحساسية مكانة النائب وخطورة مهمته على الوطن والمجتمع ، فمن الضروري وضع مواصفات للحد الأدنى التي يجب أن تتوفر بنائب الأمة ، على أن تدرج في بنود المادة 75 من الدستور الأردني . فالقوانين في نظري تنبثق من حاجة المجتمع اليها لتنظيم أعمال الأفراد والمؤسسات ، دون التقيد حرفيا بما يطبق في دول أخرى .
إننا مهما عدّلنا في شروط الانتخاب ، وحددنا عدد الأصوات في الدائرة الانتخابية ، ومهما أنذرنا بعقوبات على المخالفين ، إلا أن سطوة المال ستبقى حاضرة تفعل فعلها في ظل الفقر والبطالة وحاجة الناس للمادة . ولكي أثبت هذا الكلام دعونا نفترض المثال الآتي : شخصان أحدهما يحمل أعلى الشهادات العلمية من أرقى المعاهد العالمية وهو صاحب خبرة وكفاءة مشهود بها ، ورشح نفسه للانتخاب في دائرة معينة . ولكنه لم يقدم للناخبين سوى سيرته الذاتية وحواراته الإعلامية بمواجهة زملائه المرشحين ولقاءاته مع تجمعات المواطنين لشرح برنامجه الانتخابي . أما زميله المنافس الآخر في نفس الدائرة وبغض النظر عن مستواه العلمي ، لكن لديه المال الذي يمكنه من الوصول خفية إلى الناخبين . ويقيم السهرات ويقدم الأطعمة لمن يؤم ديوانه يوميا خلال فترة الترشح دون امتلاكه لبرنامج محدد . فلمن يا ترى يصوت الناخبين للأول أم للثاني ؟ الجواب عندكم .
على ضوء ما تقدم فإنني أرجو من معالي رئيس ديوان التشريع أن يخرج عن المألوف ، وأن يسجل سابقة وطنية تنقذ الوطن من نواب لا يتجاهلون مسؤولياتهم الوطنية ، فيحولون قاعة المجلس إلى دكان لتوزيع المكسرات ، والاحتفال بكعكة عيد الميلاد تحت القبة ، وسن التشريعات التي تمنحهم رواتب وعائدات تقاعدية تماثل الوزراء ، وتحويل قاعة المجلس إلى حلبة للعراك والمصارعة ، وأكثر من ذلك تحويلها إلى ميدان للرماية الحية .
ولعلّني في هذا السياق أقترح على معاليه ، أخذ النواحي التالية بالاعتبار إذا وفقه الله بالإقدام على هذا التعديل خدمة للوطن والمواطنين :
ان يكون النائب حاصلا على الشهادة الجامعية الأولى على الأقل ، ليتمكن من دراسة القوانين والتشريعات التي تعرض عليه والمشاركة في مناقشتها علميا وتقديم التواصي المناسبة تحت القبة .
أن تدرس سيرته الذاتية (C V) وملفه الأمني من قبل لجنة الإشراف على الانتخابات قبل الموافقة على ترشحه ، واستبعاد من يظهر في سجله أحكام وقضايا تسيء إلى سمعته بين المواطنين .
أن لا يسمح للنائب بتكرار النيابة لأكثر من دورتين نيابيتين في مجلس النواب خلال حياته تطبيقا لمبدأ تداول السلطة ، ولتطعيم البرلمان بدماء وأفكار جديدة . إذ لا يعقل أن يمضي النائب ربع قرن وهو جالس على الكرسي نفسه ، حتى ولو تم ذلك بتزكية من ناخبيه . وهذا ما يفسح المجال للشباب بأخذ دورهم في تمثيل مواطنيهم وتقليص دور نواب البزنس ، المتمترسون على الكراسي النيابية بفعل نفوذهم المادي ، تدعمهم أصوات المحتاجين من المواطنين .
أن تعتبر خدمة النائب في المجلس خدمة وطنية بمكافأة محددة ، وليست وظيفة استثمارية يحقق من ورائها مصالحه الخاصة على حساب الشعب .
التشريعات التي يسنها المجلس بخصوص أعضائه ، يجب أن تطبق على المجالس اللاحقة وليس على المجلس الذي أقرها .
وفي الختام أكرر السؤال وأتمنى أن أسمع جوابا شافيا له : نواب البزنس . . متى نقول وداعا ؟ إنه أمل ننتظره بفارغ الصبر ، وأرجو الله أن لا يكون يوم الانتصار للوطن والشعب ببعيد . مصداقا لقوله تعالى : ” إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا ” . صدق الله العظيم .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.