خزعبلات إلكترونية في العام 2014
منذ أن بدأ الإنسان الكتابة على جدران الكهوف في عصور ما قبل التاريخ، حتى استخدم أوراق البردى في الحضارة الفرعونية ثم اخترع الكتابة بالأقلام وبعد ذلك المطبعة لا أعتقد أنه قد مر على العقل البشري مستوى من نشر الخزعبلات والأكاذيب والتضليل والمعلومات الخاطئة كما هو موجود حاليا في وسائل الاتصال الإلكترونية سواء كانت الإنترنت أم البريد الإلكتروني أم الأشكال الجديدة مثل فيسبوك وتويتر.
في كل يوم يتعرض كل مستخدم للفيسبوك وكل متصفح للمواقع الإلكترونية إلى جرعات كثيرة من الهراء والكذب والفبركة، وما يجعل الأمر مزعجا أكثر من كونه مثيرا للانتباه أن أكثر المواد التي يتم نشرها وتوزيعها هي تلك الكتابات المفبركة. في عالمنا العربي ثمة نوع متميز من الفبركات الذي بدأ يظهر مؤخرا هو الترجمات غير الحقيقية والتي تتضمن ما نريد أن نسمعه ونصدقه ولكن على لسان الآخرين. في الشهر الماضي ثلاث حالات واضحة لفبركة تمت لتصريحات وبيانات وكتابات لثلاث سيدات في عالم السياسة توضح مدى الانحدار في انعدام التحري والدقة في نشر المعلومات.
المثال الأول هو الترجمة المضحكة ولكن المفبركة التي انتشرت مثل النار في الهشيم لمقتطفات من كتاب السيرة الذاتية الصادر حديثا لوزيرة الخارجية الأميركية السابقة والمرشحة للرئاسة في الدورة القادمة هيلاري كلنتون. الترجمة التي غالبا كان مصدرها موقعا إلكترونيا مصريا أشارت إلى أن هيلاري اعترفت في كتابها بأن الولايات المتحدة خلقت داعش وكانت تريد دعم الحركات الإسلامية لتولي السلطة في العالم العربي وتستعد بالتنسيق مع داعش ومحمد مرسي لإعلان الخلافة الإسلامية في شهر تموز 2013 ولكن ثورة 30 حزيران في مصر وظهور السيسي منع هذا المخطط. اشارت الترجمة إلى أن هيلاري فوجئت بهذه الثورة ولم تستطع مواجهتها وبالتالي تم تدمير المخطط الأميركي. هل يمكن لشخص أن يصدق هذا؟ للاسف نعم بدليل أن مئات بل آلاف الناس المثقفين والمتعلمين بشكل جيد قاموا بنشر الترجمة المزعومة وتأييدها ومناقشتها، علما بأنه لو قام أي منهم بتنزيل الكتاب الكترونيا لما وجد فيه كلمة واحدة حول داعش!
المثال الثاني هو ما ظهر في وسيلة إعلام أردنية بأن السفيرة الأميركية الجديدة قد قالت في تصريح خاص لمجموعة من السياسيين أن “نسبة الأردنيين في البلاد لم تعد تتجاوز 27%”. الشخص الذي نقل المعلومة ويفترض أنه كان حاضرا للاجتماع أو أنه ركب جهاز تصنت مع السفيرة لم يحاول أن يدقق في الترجمة، وفور نشر الخبر قامت الدنيا ولم تقعد بالغضب من السفيرة من جهة أو التأكيد على ما قالته من جهة أخرى وبأن الاردنيين فعلا اصبحوا أقلية في البلاد. السفارة الأميركية اصدرت بيانا قالت فيه بأن السفيرة قالت بما معناه أن نسبة المتواجدين في الأردن من غير الأردنيين أصبحت 27% وليس العكس وهذا نتيجة الهجرات واللجوء في السنوات الأخيرة وأن هذا الرقم يحظى بتأكيد من منظمات الأمم المتحدة. بالنسبة لي أصدق بيان السفارة أكثر من الخبر الإلكتروني لأنه من غير المعقول أن تقول سفيرة مثل هذا الكلام في جلسة نقاش علنية لأن السفراء الأميركيين-صدقوا أو لا تصدقوا- يتم تعيينهم بناء على الكفاءة وليس الواسطة ولن يخطئوا بهذه الطريقة.
المثال الثالث هو خطاب رئيسة الارجنتين كرستينا فيرنانديز في الجمعية العمومية للأمم المتحدة والذي كان خطابا رائعا وتاريخيا بدون شك خاصة في وصف شراسة الليبرالية الاقتصادية التي تهدد التنمية والاستقرار في الارجنتين وأميركا اللاتينية والنقد الكبير لصندوق النقد الدولي. فيرنانديز اشارت في خطابها الذي استغرق 34 دقيقة إلى كيفية تغيير التحالفات في الحرب على الإرهاب وإلى محاولة الارجنتين تسليم الإيرانيين المتهمين بتفجير السفارة الإسرائيلية في بيونس أيرس بالتنسيق مع إيران وليس خوض حرب معها كما انتقدت “الاستخدام المفرط للقوة” من قبل إسرائيل في حربها على غزة. كلمة الرئيسية الموجودة كاملة على اليوتيوب بترجمة باللغة الإنجليزية تم تحريفها من قبل “متحمسين عرب” غالبا مناصرين لحزب الله والنظام السوري فأصبحت بمثابة مرافعة في نقد إسرائيل و”فضح المتآمرين على سوريا” وتبرئة حزب الله من تهمة تفجير السفارة!
كل ما يتطلبه الأمر هو بعض الدقة والضمير في الترجمة، والتحقق من المصادر الأصلية للأخبار ولكننا دائما ما نقع في فخ الخزعبلات الإلكترونية التي تستهوي مشاعرنا وما نريد أن نأمل به.
الدستور

