هو عباس قادر يشتكي؟!
تتوالى الانتقادات للرئيس الفلسطيني محمود عباس لانه لم يتقدم حتى الآن بالتوقيع على اتفاقية روما بما يتيح له الطلب من المحكمة الجنائية الدولية النظر في جرائم الحرب التي ارتكبها زعماء اسرائيل خلال العدوان الأخير على قطاع غزة ولقد سمعت ممثلا لمنظمة (هيومن رايتس وو تش ) يتساءل عن تأخره في اتخاذ هذه الخطوة .
اذا كان خطاب الرئيس الفلسطيني في الامم المتحدة قد وصف من قبل امريكا بانه ” استفزازي ومهين ” لمجرد انه طالب فيه بمسألتين : الاولى – إنهاء الاحتلال للضفة والقطاع والقدس خلال ٣ سنوات ،اي عندما يصل عمر هذا الاحتلال الى نصف قرن !. والثانية – لانه وصف ما قامت به اسرائيل في حربها الاخيرة على غزة بانه جريمة حرب . هذه الحرب التي قتل فيها اكثر من ٢٠٠٠ فلسطيني بينهم ٥٤٠ طفلا العديد منهم تقطعت أجسادهم الصغيرة وفصلت رؤوسهم عنها بفعل الغارات الإجرامية الإسرائيلية التي تعمدت قصف الأحياء السكانية .
أقول اذا كان خطاب ابو مازن قد وصف بانه استفزازي ومهين لانه قدم اقتراحا الى الامم المتحدة بإنهاء الاحتلال ، ولانه تحدث عن جرائم الحرب ضد شعبه ( وهذا واجبه ) فكيف سيكون رد واشنطن عليه اذا ما وقّع على اتفاقية روما بما يتيح له تقديم نتنياهو ويعالون وطاقم الحكومة الإسرائيلية المتعطشون الى الدماء الى المحكمة الجنائية ؟. لو فعل ، ربما سيقوم اوباما بملاحقة عباس واعتباره إرهابيا !. فنحن في زمن عجيب تحول فيه هذا العالم العربي المتعوس الى مكان خارج الارض تستباح فيها الأرواح والأعراض والممتلكات ولا تطبق عليه القوانين الانسانية .
ابو مازن لا يستطيع ان يشتكي ويستفز امريكا من جديد ، وهو الذي يدفش به العرب كل يوم للوقوف على أعتاب البيت الأبيض والكونغرس لكي يريحهم من أعباء قضية فلسطين التي نفضوا اياديهم منها ، حتى رواتب ونفقات السلطة في رام الله وغزة تدفعها أوروبا وأمريكا بينما العرب ينفقون مئات المليارات على الحروب الامريكية العابرة ونزهات ال ف ١٨ والتوما هوك فوق الارض العربية !.
( هو عباس .. قادر يشتكي !) . وهو يرى كيف ان العرب بلمحة بصر وضعوا قدراتهم العسكرية والوطنية والمالية في خدمة تحالف دولي ضد ارهاب داعش وجرائمها ، لكنهم لاذوا بالصمت خلال ٥٠ يوما من جرائم الحرب الإسرائيلية ضد غزة ، التي كانت تُنقل على الهواء وبالبث المباشر . على العكس ، لقد كان لسان حال العواصم يضع اللوم على غزة وأهلها ومقاومتها لانها استفزت نتنياهو وكانوا يمنون النفس لو ان الغزيين رفعوا الرايات البيضاء من اليوم الاول .
اعباس .. قادر ان يشتكي في زمن تتوسل فيه انظمة وشعوبآ عربية من اوباما وكاميرون وهولاند ، (اما ذاك الآخر حاكم استراليا ، اللي جالس في آخر الدنيا ، فنجهل حماسته المفرطة للمشاركة في كل حملة عسكرية غربية في المنطقة !) توسلات من اجل تحرير الموصل وتكريت والرقة وحماية بغداد وأربيل وحلب من الارهاب ومنعه من كشف عورات الانظمة وضعفها .
نحن امام صورة بدت فيها الدولة الوطنية التي أنفقت مئات المليارات على السلاح والاستعراضات عاجزة عن مجابهة تنظيمات ارهابية تخرج من ظهرانيها ومن بين رعاياها !. امام مثل هذه الانظمة ( التي تستعين بالتدخل الامريكي ) في كل صغيرة وكبيرة ، كيف يطالب من يطالب عباس بان يشرب حليب السباع ويُقدم على خطوة روما التي سترد عليها امريكا واسرائيل بما هو ابعد من وصف ” مهين واستفزازي ” ، وقد يكون المثَل الذي يلازم الرئيس الفلسطيني في علاقاته مع الأمريكيين ( اللي تحسبه موسى يطلع فرعون ) .
وأخيرا أقول : عندما يأتي اليوم الذي تنظر فيه الانظمة العربية الى قادة اسرائيل على انهم من مجرمي الحرب ، وتتعامل معهم ومع من يساندهم على هذا الأساس ، عندئذ سيشعر هولاء بانهم سيعاقبون فعلا على جرائمهم وفي عقر دارهم ، عندها تصبح الشكوى الى الجنائية الدولية ذات قيمة ، وعندها ايضا سيكف قادة اسرائيل عن المضي في ارتكاب الجرائم التي لم تبدأ في غزة ولن تنتهي بها . انهم يرتكبونها بدون عقاب خلال ٦٦ عاما من عمر كيانهم الذي قام على الحروب والسلب والنهب واكبر جرائمهم هو الاحتلال .
[email protected]

