شرف الشمس
بللت وجهه قبيل الفجر بقليل.استيقظ فزعاً، والندى على جبينه.رائحة اللوز .أ..كانت هنا، ورائحة ماء الزهر،في ارجاء الغرفة العتيقة، واللؤلؤ ينبع من يمينه، ويصب في يمينه؟!.
لحظة الوضوء.سأل في قلبه، هل توضأ قلبه اولا.نور التسبيح، غسل قلبه منذ زمن، وماء الزهر ينساب على كفه، وصوت المؤذن، يتسلل الى الغرف العتيقة في كل المدينة، ويشق ظلمتها، بتلك العصا، التي بانت مآربها الاخرى بعد الفي عام.
لحظتها سقطت دمعته المالحة في بحر عذب غضباً.أحاله الى بحر مالح.ليس كل الدمع سواء، فدمعة هذا الفتى،مختلفة.وضع خاتمه في يمينه، والنقش عليه يقول..»انا ماسح الغبار عن أرديتكم، انا ماء الوضوء على اقدامكم، انا راية الغرباء، ونون المساكين، انا صاحب اليمنى».
فيما كان قلبه يتولى قبلة يرضاها، كان ظله النوراني اسرع من خطاه بسبعة مواسم قمح، فالفجر قريب، وصوت طرقات قدمه على الحجارة القديمة، مثل حصان، تسمعها الارواح، فيتردد صداها، ُفيعّلق الذي كان حارساً اياه في بحر الظلمات، ان الفتى استيقظ، من كهفه، بعد ثلاثمئة عام واكثر، اعتزلهم في كهفه، حتى حين، وكنا نقلبه برفق وشدة، مرات ذات اليمين ومرات ذات الشمال.
هنا القى الفتى عصاه، فإذا هي فوق كل عصا، سحر الرومان والفراعنة باطل، أهي عصاه التي ابطلت كل شيء، ام سر الوقت والتوقيت؟!.
مضى، من معتزله، الى بوابة الخروج الاخيرة، عندها، سمع بلالاً يرتل..»فلما ان جاء البشير القاه على وجهه فارتد بصيراً» ..فتذكر ان السر باهر، ويأتيك بكل الاشياء معاً، وحين يعاندك الوقت والتوقيت،تغيب الاشياء معاً، قد ُتلقى في الماء ثم الجب فالسجن بضع سنين، وقد نحرمك من رضاعة امك، لكنك تبقى بأعيننا!.
يعجل الخطى: ويل لهم. في غيابي جعلوا اغطية رؤوس امهاتهم شراعا لمراكب السراق، اذ يبحرون في بحر ليس لهم، اي جرأة هذه التي تجعلك تخطف رداء امك وغطاء رأسها، وتقدمه لعابر بحرك، مقابل كسر خبز ناشفة، أقلب رجل هذا، ام غريزة ذئب؟!.
ليس اسوأ من الذئب الا عبيده الصغار المتمسحين بالراية زورا وبهتانا او اولئك مشهري العداوة علناً، وبينهما فريق تحثهم فطرتهم المكتسبة على بيع قلوبهم في سوق النخاسة.
يدلف الى البيت الاول. رائحة اللوز هنا، وماء الزهر يغسل حجارته، وبصيرته ترى الدم دوامة حول المسجد، تلف وتدور، لا قلب لها. كلما نجا احدهم منها، صاحت الدوامة قائلة هل من مزيد، أهي خطيئة الفقدان، ام لعنة التفريط، ام عقوبة الزمن على كل من اصم اذنيه عن صيحات عشرات الاف الامهات المكلومات، منذ ستين عاما واكثر؟!.
يسجد مرتين. ويرى الشمس في يمينه، قد تولدت للتو.هذا شرف الشمس اذن . لا تأتيك بنورها الا بعد ظلمة، وتعب. بعد ثماني حجج.او قل عشراً.
من انت حتى تعترض. المعاصي أضنت قلبي ياسيدي.رد عليه: ظلمة المعاصي في مرات حجاب في وجه الباحثين عن الكنز لسرقته فلا يرون نور حقيقته،ومقام الاعتراض اتعبك يافتى،وقبلك ذهب ذو النون مغاضبا فتم رده رداً جميلا. وبعده جاء الذي ُيستّسقى الغمام بوجهه الكريم، فاستسقى الخير بصبره على الاذى، وبينهما بقي جعفر، علامة، يمينه ثم يساره ثم عضديه.لم يفلت الراية،وكأنه يقول لاسلافه، اياكم وافلات الراية، مهما صار فيكم!.
اشرقت الارض بنور ربها. الفتى يعود الى معتزله. لا يجده في مكانه.اين ذهب معتزلي. قيل له لحظتها. هذا سر الوقت والتوقيت. لا سر الظن ولا الوهم ولا اولئك الذين قالوا … اما ان تلقي واما ان نكون اول من القى؟!.
سكت ورأى شرف الشمس اذ يتولد، في رؤياه، دون ان يعرف الكيفية ولا موعدها ايضا، لكنه عرف لحظتها ان الاثم مغفور، لان القلب سلم من أفك الخيانة، وعقيق الشمس من حوله وحواليه.كان مجرد فتى.بات رجلا!.
بقيت في قلبه غصة كبرى.دوامة الدم حول البيت الاول. صوتها مرعب.تختطف الملايين .الا تشبعين.لا..عليك يارجل. الطريق مفروشة بالدم. طريق نهايتها لنا. والابار عطشى، والتطهر في ذروته؟!.
طرد خبث الفضة وسوادها يأتيك اولا.قبل ان تشرق القلادة في عنقك.عنق امة. تستحق قلادة من نور يارجل .وياقوت القلادة. لايقبل ان يحل في حضن غلب عليه السواد، فالصبر على البلاء رتبة ثم رفعة!.
بللت وجهه بالماء. رائحة ماء الزهر في الغرفة.الشمس في يمينه.القمر في يساره. طبعت على جبينه قبلة طرية مثل طفولتها.استيقظ من حلمه. تشّهد لمرات. ابصر ذاته ببصيرته. ونّقى بصيرته بصبره على البلاء ونهض من غفوته.
تبّسم اذ عرف ان الكل ظنوه قد مات. لم أمت. لا ضريح لي ياسادة. كنت غائبا.طفلا في بيت فرعون. اعود اليكم رجلا بسري وعصاي وخزائن مصر وبسر النون.
اخرج رايته، وزرعها فوق كل عال، حتى انتثرت الكواكب قهراً، وتبددت الظلمة، وعادت الذئاب الى مدافنها،وشق قلبه وردد مرتلا واقفاً بحياء في مقام الادب قائلا…»ولقد جئت على قدر ياموسى»!.
الدستور

