صحيفة الكترونية اردنية شاملة

أسطورة الذهب تلخص مشاكلنا

0

لو كنت استاذا جامعيا مختصا بعلم الإجتماع أو الإعلام لقمت فورا بالطلب من طالب ماجستير بإجراء دراسته حول ما حدث في الأيام الماضية في عجلون من روايات استثنائية حول “الذهب والدفائن” التي قيل انه تم اكتشافها في المنطقة ثم استخراجها بدون معرفة أحد بتفاصيل الموضوع. تداعيات هذه الحالة وتأثيرها على الرأي العام وردود الأفعال وطبيعية القناعات التي تولدت هي حالة دراسية نموذجية تلخص أسوأ ما في الأردن حاليا وتشكل منظومة واضحة لتحديد المشاكل الرئيسية التي يعاني منها البلد.
بداية جاءت عملية عجلون السرية التي لم يتحدد بعد من شارك بها من أجهزة الدولة بمثابة نموذج على الإجراءات والقرارات السرية وغير الواضحة التي يتم اتخاذها في عدة مجالات في القطاعات السياسية والاقتصادية وتؤدي إلى خلق موجات من الإشاعات وعدم الثقة نتيجة غياب الشفافية في الطرح. الروايات الرسمية حول ما حصل جاءت في البداية اما مرتبكة أو متناقضة أو تتضمن تفاصيل تبدوغير منطقية. هذا الجو من التكتم هو الذي يخلق الإشاعات، وفي حالتنا حيث تغيب الثقة بين الرأي العام والحكومة ولكون المنطقة مشهورة بوجود دفائن تاريخية انتشرت فورا فكرة قيام الحكومة باستخراج كميات هائلة من الذهب تحت جنح الظلام.
جو عدم الثقة، والأزمة الاقتصادية التي تولد شعورا بالحاجة إلى حلول سحرية على شاكلة ذهب هرقل أو الاسكندر المقدوني أو اي قائد عسكري تاريخي ووجود وسائل اتصال حديثة مثل الفيسبوك ووجود بعض وسائل إعلام لا يعنيها لا المهنية ولا الحقيقة جعل نظرية الذهب هي السائدة في القناعة الشعبية ويبدو أنه من المحال تفنيدها حاليا أو تغييرها. الضرر حدث وباتت القناعات مشكلة بناء على الإشاعات وروايات غير مكتملة وإدعاءات بقيمة مالية تصل إلى أكثر من 10 مليارات دينار علما بأن أحدا لم يشاهد هذا الذهب اصلا حتى يعرف وزنه وقيمته السوقية!
ما يثير الأسى حقا هو مدى انتشار هذه الإشاعات وتصديقها من قبل أشخاص مثقفين حصلوا على مستويات عالية من التعليم. ربما نتفهم أن بعض النواب والسياسيين والإعلاميين قفز على هذه الموجة للحصول على شعبية سريعة ولكن الغريب هو انتشار هذه القناعات في أوساط طبقات متعلمة قبلت عل نفسها أن تصدق شريط يوتيوب منذ سنة حول إدعاء صائد كنوز مغمور ليست له قيمة وجود كنز الإسكندر المقدوني في الأردن.
ما يفسر هذا الأمر جزئيا هو غياب المعلومة الرسمية وقت حدوث الحدث مباشرة. منذ اليوم الأول كان يمكن إصدار بيان مشترك من الحكومة وجهات أخرى ذات سيادة في الدولة بهدف الحفريات في عجلون واسباب إغلاق الطرق وهذا ربما ما كان سيقنع الجميع ولكنه على الأقل لن يسمح بهذا الانتشار الهائل لاسطورة الذهب التي من الصعب تصديقها. الحالة نموذج توضيحي لكافة مشاكلنا!

الدستور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.