النواب.. أنموذج في البطولة!
قبل أيام قامت الدنيا ولم تقعد على المعلمين الذين طالبوا بعلاوة الطبشورة، وانتفضت مؤسسات الدولة وإعلامها بالكامل ضد منح أي متيازات أو علاوة جديدة لهم، علما أن معظمهم يعيشون تحت خط الفقر المدقع، واتهمت نقابتهم بأنها أداة سياسية للإخوان، وأنها تنفذ أجندة سياسية، وأنها لا تضع المصلحة العامة في أولوياتها، ولا تحترم قدسية التعليم وتضر بالطالب.
بدورها أعلنت الحكومة مسبقا، أنها لن تقبل زيادة رواتب المعلمين لأن الموازنة في أسواء مراحلها التاريخية، ولن يكون لهم زيادة هذا العام ولا المقبل ولا حتى في العام 2016 ، وبعدها من الممكن أن يكون هناك زيادة في إطار زيادة لكل موظفي القطاع العام شريطة تحسن الموازنة.
بالأمس أقرّ مجلس الأمة منح أعضائه تقاعدا أبديا، في خطوة تشريعية جريئة ضد رغبة جلالة الملك شخصيا، الذي قام برفض قانون التقاعد السابق في تشرين ثان 2012، ورفض إعادة الرواتب التقاعدية للبرلمانيين، مبرراً قراره بأنه يأتي لـ”عدم تحميل خزينة الدولة أعباءً مالية إضافية، خاصة في ظل ظرف اقتصادي صعب يستوجب منا جميعا ترشيد النفقات والحفاظ على المال العام.
لا يمكن لأحد أن يفهم حماس أعضاء مجلس النواب وبعض الأعيان في إقرار تقاعد أبدي لهم وسكوت الحكومة الكامل عن الأمر وعدم شرح تداعياته الخطيرة على الاقتصاد الوطني، كما تفعل في تبريها لقرارات رفع الضرائب والأسعار على المواطنين والشركات؛ إلا أنه صفقة مكشوفة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية كمكافأة على العلاقة بينهما والمبنية أساسا على مفهوم “حكلي بحكلك”.
موضوع مساواة راتب النائب بالوزير سواء بالحد الأعلى أم الأدنى، باتت قضية تشغل الرأي العام وتأخذ حيزا كبيرا من اهتمام الشارع وتثير سخط العامة من السلطة التشريعية التي تتناسى هموم المواطن والتحديات الاقتصادية ، وتشرّع لنفسها مكتسبات مالية أبدية على حساب الخزينة، بموافقة مبطنة وتواطؤ رسمي من حكومة النسور.
من غير المعقول والمنطق أن تمارس السلطة التشريعية دورا تشريعيا لمصلحتها الخاصة دون المصلحة العامة، فهذا يتنافى مع مبدأ الحياد التشريعي الذي يستوجب الابتعاد عن المصلحة الشخصية من وراء التشريع، لأن فيه تضارب مصالح سافر، وهو ما يعزز عدم الثقة بهذه السلطة وتشريعاتها، ويؤكد ما يدور في عقلية المواطن من أنها سلطة لا تعرف سوى مصالحها وتهلع وراء امتيازات خاصة.
ما استند إليه أعضاء مجلس الأمة من مساواة بين البرلماني والوزير لا أساس له من الصحة، ولا يرتكز على أسس قانونية، فالأمر بينهما مختلف تماما، فالمسؤولية على الوزير بحكم عمله التنفيذي مسؤولية كبيرة أثناء عمله وبعد انتهائه أيضا، لأنه يعمل في ظل رقابة لصيقة من النواب والإعلام ويحاسب أثناء عمله وبعدها بسنوات ويستطيع أي كان أن أثبت عمل مخالف للقانون من قبل وزير ما، أن يلاحقه قضائيا ولو كان بعد سنين طويلة من العمل المخالف.
هذا الأمر غير موجود لدى النواب، فلا مسؤولية عليهم جراء تشريع أو إجراء أو سياسة ساهموا بها، وإذا ثبت أنها ألحقت ضررا ما، فلا أحد يستطيع ملاحقتهم أثناء عملهم ولا بعده أيضا، ولا أحد يراقبهم اليوم بشكل دوري سوى الناخبين الذي قد يقيمون أداء النواب مرة كل أربع سنوات عندما يلتقون بالمرشح.
كما أن التفرغ للعمل مختلف بين الوزير والنائب، فالوزير بمجرد حلف اليمين يترك جميع أعماله الخاصة ويستقيل منها فور توليه لمسؤولياته العامة، فهو متفرغ لعمل وزارته، بينما النائب أو العين يعمل في مختلف الأعمال والمهن وهو على رأس عمله التشريعي في مجلس الأمة.
والحصانة لدى النائب شبه مطلقة في بعض المجالات، فلا يجوز المساس بالنائب خلال فترة انعقاد الدورة لأي سبب كان تقريبا باستثناء الأعمال الجرمية، كما أن القضايا المرفوعة عليه بحكم أعماله خارج الإطار النيابي، فإن حصانته البرلمانية تحول دون المساس به أيضا، اما الوزير فالحصانة جزئية، وباستطاعة الاعلام أن يضغط باتجاه إقالته إذا ارتكب مخالفة تستدعي ذلك، وباستطاعة النواب المباشرة بمحاكمة الوزراء وفق أسس دستورية واضحة سواء أكان يعمل أم لا، والتاريخ مليء بممارسات من هذا النوع.
في الوقت الذي كان الجميع بانتظارموقف بطولي من النواب تجاه القضايا المالية التي تتحقق لهم، وأن يقتربوا أكثر من هموم المواطنين؛ نجدهم يسطرون أنموذجا من الجشع وحب الذات، تشاركهم فيه حكومة تتلاعب بالجميع مقابل تسجيل أطول فترة ممكنة في الدوار الرابع.

