صحيفة الكترونية اردنية شاملة

كامل أبو جابر

0

خلال الأسابيع القليلة الماضية، استمتعت بقراءة كتابين أقرب إلى الطابع السردي القصصي، يتقاطعان في تقديم صورة متعددة الأبعاد عن تاريخ مدينة عمان الاجتماعي، بخاصة في عقد الأربعينيات؛ ويتطرقان إلى المراحل التي سبقت ذلك، أي تشكّل المدينة عبر الموزاييك الاجتماعي ما بين القرويين والبدو والشركس والشوام، ثم اللاجئين.
الكتاب الأول صدر منذ عشرين عاماً تقريباً، وهو أقرب إلى الطابع الروائي الجميل للأديب عبدالرحمن منيف “سيرة مدينة”. يحكي فيه عن عمان في الأربعينيات، وربما يكون أجمل وأعمق ما تم توثيقه من تاريخ اجتماعي خلال تلك السنوات عن عمان؛ متحدثاً عن المدارس والأطباء والمستشفيات، والألعاب والمنازل والحارات، ونهر عمان الموؤود، وغطاء الرأس والملابس والثلج، وحركة رشيد عالي والشخصيات العمّانية المعروفة تاريخياً، والكلية العلمية الإسلامية والشعر والأدباء.. وقد كتب كثيرون عن هذا الكتاب المهم والجميل.
أما الكتاب الثاني، فهو مذكرات د. كامل أبو جابر، وزير الخارجية الأردني الأسبق، وجاء بعنوان “ذكريات من رحلة العمر”؛ من إعداد عمر العرموطي، وقد صدر الكتاب مؤخّراً. وهو يتناول أبرز ذكريات الدكتور كامل أبو جابر، مع بعض التفاصيل الجميلة عن عمان في الأربعينيات، ومدارسها وحاراتها، والحياة الاجتماعية والثقافية فيها، مع مجموعة كبيرة من الصور التي تمثل بحدّ ذاتها قيمة تاريخية للكتاب.
جاء الكتاب سهلاً سلساً في عرض الذكريات، تماماً كشخصية الدكتور أبو جابر. فهو بالرغم من أهمية المناصب التي استلمها، ومن الدرجات العلمية والخبرة العملية الكبيرة التي يمتلكها، إلاّ أنّ من يعرفونه يدركون تماماً أنّ أهم سمات شخصيته البساطة وتبسيط الأمور، والتصالح مع النفس والتواضع الجمّ، والأهم من هذا وذاك النفس الإيجابي الذي يحتل زوايا الرؤية كاملةً لديه؛ في نظرته للأشخاص والأمور والأحداث المحيطة.
يروي الدكتور أبو جابر كيف نشأ وتربى في بداياته في اليادودة، إذ كانت تسكن أسرته مع عشيرة أبو جابر؛ ثم انتقاله إلى عمان في فترة مبكّرة ليدرس في مدرسة المطران مع إخوانه، وبعضاً من مشاهداته وملاحظاته على عمان وأحداثها خلال تلك الفترة، مروراً بسفره إلى الولايات المتحدة الأميركية في العام 1954، فعودته منها في العام 1966، ليدرّس في الجامعة الأردنية في كلية الاقتصاد، بعدما تدخّل وصفي التل شخصياً لتعيينه فيها والإفادة من خبرته.
ويتحدث عن تجربته في التدريس باستفاضة، ثم تجربته القصيرة وزيراً للاقتصاد في حكومة زيد الرفاعي في العام 1973. وهي التجربة التي استقال منها بعد فترة قصيرة، احتجاجاً على عدم مشاركة الأردن في حرب 1973، وصولاً إلى عمادته لكلية الاقتصاد في “الأردنية”، وتجربته وزيراً للخارجية في العام 1991، عندما استقال رئيس الوزراء الحالي، د. عبدالله النسور، وزير الخارجية حينها، وضمّه طاهر المصري لحكومته، ثم تشكيل الوفد الأردني للمفاوضات العربية-الإسرائيلية، وكلمته التي ألقاها في مؤتمر مدريد للسلام، والمؤتمر الصحفي بعد ذلك، واستمراره في حمل حقيبة وزارة الخارجية مع حكومة الأمير زيد بن شاكر التي تلت حكومة المصري.
ويمر د. أبو جابر سريعاً على تجربته في مجلس الأعيان، وصندوق الملكة علياء، ورئاسته للمعهد الدبلوماسي والمجلس الأعلى للإعلام، وصولاً إلى محطته الأخيرة المهنية في المعهد الملكي للدراسات الدينية، مخصصاً صفحات لتجربته مدرّساً في الصين.
ربما يكون من أطرف قصص الكتاب، والرجل صاحب حس فكاهي، هو عندما فاجأه صحفي بالسؤال بعد عقد مؤتمر مدريد، خلال المؤتمر الصحفي: لماذا لم يسلّم على رئيس الوفد الإسرائيلي حينها، إسحق شامير، ويقبله كعادة العرب؟
فشرح السبب في عدم السلام عليه، أمّا عن تقبيله فقال: لو كانت تقف أمامي فتاة إسبانية جميلة لقبّلتها، أما هو “شو بدي أبوس فيه”!
الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.