اعيدوا قراءة فكرهم أيها العرب
ألوذ هذه الأيام بهم، أعود إلى مقالاتهم ومؤلفاتهم وأحس بأنهم الحل لهذا الزمن المجنون الذي نعجز عن فهمه ، وكأنهم الذخيرة التي اكتنزها الفكر العربي المعاصر ، أهرب إليهم لئلا أصدق بان هذا هو العالم العربي الذي نعرفه ، وأن هذا هو عقل العرب ، وهذا زمن العرب الجديد في القرن الحادي والعشرين . هم نقطة الضوء الذي سيعيدنا إلى البدايات الراسخة في منتصف القرن التاسع عشر ،منذ المعلم بطرس البستاني إلى إبراهيم اليازجي وأحمد فارس الشدياق وشبلي شميل وفرح أنطون ونجيب عازوري وعبد الغني العريسي وغيرهم الكثير من أهل الفكر والوعي من أهالي بلاد الشام ، بلادنا التي اتفقت القوى على تدمير حضارتها وتهميشها .. وهم الذين تفتحوا على الفكر الواعي، وعلقوا على المشانق ونفوا من أجل الحرية والاستقلال والمواطنة ، ألوذ بهم لأنهم كانوا الصوت الصارخ بالبرية لترسيخ الفكر الذي يعبد الطريق المستقبلي لعرب القرن العشرين ، ألوذ بهم لأنهم اعتزوا بلغتهم وعملوا على نشر هذا الاعتزاز بإصرار ، ولأنهم جعلوا من العربية الرمز الذي يحمل العروبة إلى المكانة الحضارية التي تستحقها ، وهم الذين نادوا بحكومات ديموقراطية وسيادية في زمن الظلم العثماني البشع ، كانت الصحف التي تحاول تتريكنا تجرؤ على تحقير العرب، فكانوا الصوت الصامد العنيد لتثبيت عروبة الشام والعراق ومصر والحجاز والمغرب ..طالبوا بالعدل والمساواة واحترام رأي الآخر في ذلك الزمن الذي كنا فيه نحمل التبعية والجنسية العثمانية ، مثل غيرنا من الشعوب التي نفضت عن كيانها حكم الغرباء وحققت استقلالها وحريتها .
ماذا نريد من وراء هذه العودة إلى زمن التنوير ..؟ نصرخ بغضب ونحن نستذكر أن الأجيال المتلاحقة في الوطن لم تدرس هذا الفكر منذ عشرين عاما ، كان طلبة الثانوية يعرفون كل هذا التنوير ويتقدمون فيه بامتحان الثانوية العامة .. همشوا معرفتهم بإلغاء مادة التاريخ، وصار المدرس من الفئة التي لا تتحمس لهذا الفكر ولا تعرفه أصلا .. ونسأل باستغراب عن هشاشة فكر الجيل وعن ضعف انتمائهم ..؟
درسنا ونحن في الثانوية العامة كل هذه الطروحات واحترمناها.. حصنتنا هذه الأفكار الراقية وعلمتنا أن نحب الوطن وأن “ حب الوطن من الإيمان “ كان المعلم يحمل عمق هذا الفكر للجيل ، واليوم لا المعلم يؤمن ولا يعرف ، وهذه مصيبة وطنية ، فلماذا تحاسبون الطلبة على هشاشة فكرهم وضعف انتمائهم واستهانتهم بمؤسسات الدولة واستعدادهم للتخريب ..؟ أعيدوا في مناهجنا فكر التنوير .. دربوا الطلبة على المواطنة وعلى حب الوطن ، وكفى استهانة بموروثنا النقي الذي علمنا المواطنة .. وعندها فقط فلا خوف من الإرهاب وأهله ، هم يتغلغلون بيننا بسبب ضعف الوعي بالمواطنة بين أجيالنا ، وهذا هو زمن عودة تعليم الجيل القادم معنى التفكير والوعى والتنوير ، والحل بيد وزارة التربية والتعليم ، وهذه أمانة برقاب أصحاب القرار ، أمانة لا يجب أن تتأخر والسلام .
الدستور

