صحيفة الكترونية اردنية شاملة

’الغاز. . والضرورات تبيح المحظورات’ في خطاب القلاب

0

نشرت وسائل الإعلام خلال الأسبوع الماضي خبرا يفيد بأن شركة الكهرباء الوطنية ، وقعت رسالة نوايا مع شركة نوبل إنيرجي الأمريكية ، لاستيراد الغاز من حقل ” لفياثان ” الإسرائيلي في البحر الأبيض المتوسط ، ولمدة 15 عاما بكلفة تصل إلى 15 مليار دولار . وقد صرح وزير الطاقة والثروة المعدنية الدكتور محمد حامد أنه سيتم بحث تفاصيل هذا الاتفاق في شهر تشرين الثاني المقبل ، تمهيدا للتوقيع عليه رسميا من قبل الحكومة الأردنية والشركة المعنية .
لا شك بأن هذا الموضوع يتضمن خطورة كبيرة في ارتهان الأمن الوطني الأردني للعدو الذي لا يؤتمن جانبه ، خاصة إذا ما تغيرت الظروف المضطربة في المنطقة نحو الأسوأ في المستقبل . وهذا الوضع سيضعنا تحت ضغوط سياسية وأمنية واقتصادية حرجة .
إن أمننا الوطني يعتمد على ركيزتين أساسيتين هما الدفاع والأمن . فالأولى تُعنى بحماية الوطن من أي تهديد خارجي أو داخلي ، والثانية تُعنى باستقرار الدولة من النواحي الأمنية والاقتصادية والاجتماعية . وفي هذه المقالة سأتطرق لجزء من الركيزة الثانية ، وهو ما يتعلق باستيراد الغاز الإسرائيلي الذي بينت الحكومة بصورة خجولة نيتها في الإقدام عليه ، رغم تأثيره المباشر على النواحي الثلاث سالفة الذكر .
ولتبرير هذا العمل الذي كشفته أساسا الصحافة الإسرائيلية ، فقد انبرى معالي الكاتب صالح القلاب ـ مع احترامي له ـ بالدفاع عن هذا التوجه الحكومي في مقالة طويلة ، نشرها في صحيفة الرأي شبه الحكومية يوم الأحد الموافق 7 / 9 / 2014 تحت عنوان ” اتفاقية الغاز مع إسرائيل : الضرورات تبيح المحظورات ” ، محفّزا الحكومة على السير بهذا المشروع الخطير .
يقارن السيد القلاب في مقالته وضعنا الحالي بوضع غزة ، في استيرادها لنصف احتياجاتها من الكهرباء من إسرائيل ، متناسيا معاليه أن غزة محاصرة إسرائيليا من مختلف الجهات برا وبحرا وجوا ، وهي مجبرة على فعل ذلك بحكم واقعها المرير . هذا الحال لا ينطبق على الأردن الذي يتمتع بحرية الحركة على أراضيه ومع العديد من الدول الشقيقة والصديقة .
يستطرد الكاتب قائلا : ” إن الأردن لم يفكر في اتفاقية مشروطة بألف شرط لاستيراد الغاز الإسرائيلي إلا بعد ما اقترب من الخطوط الحمراء ، في ضوء استمرار العمليات الإرهابية في سيناء وانقطاع إمدادات الغاز المصري ، الذي خلّف انقطاعه على الخزينة الأردنية مليارات الدولارات . . . وأيضا في ضوء رفض الأشقاء بيع غازهم إلى هذه الدولة . . . إنه لم يعد أمام الأردن أي خيار غير هذا الخيار ” .
وتعقيبا على هذه العبارات ، فإن أسئلة متأخرة عن موعدها جاءت تطرح نفسها في هذا الأوان منها على سبيل المثال : لماذا لم يفكر المخطط الأردني عند توقيع اتفاقية شراء الغاز المصري ، باحتمالات تعرض الانبوب الناقل للغاز إلى
التفجير لاسيما وأن إسرائيل شريكة به ؟ ولماذا لم يفكر المخطط باسلوب حمايته من أعمال التخريب واتخاذ الاحتياطات اللازمة ؟ لماذا أعتبر المخطط الأردني هذا المصدر هو الخيار الوحيد ، دون الاعتماد على بدائل أخرى تجنبا لتعريض الأمن الوطني الأردني للخطر الذي نواجهه حاليا ؟
أما قصة الاتفاقية المشروطة بألف شرط لاستيراد الغاز الإسرائيلي كما ذكر الكاتب ، فليس هناك ظرف يفرضها على مسئولينا ، سوى رغبتهم في الارتباط مع ( الصديق الإسرائيلي ) بأي مشروع ، حتى وإن كان من خلال وسيط أمريكي . وبهذا فهم يكررون خطأهم السابق ويجعلوننا رهائن لقرارات وإملاءات إسرائيلية تفرضها على رقابنا في يوم قادم .
وإذا ما اعتبرت حكومتنا الجليلة أن إسرائيل بحكوماتها المتطرفة دولة صديقة على المستوى الرسمي ، فلابد من تذكيرها بما قاله السياسي البريطاني السير هنري مكماهون في أوائل القرن الماضي : ” أن أصدقاء اليوم يمكن أن يصبحوا أعداء الغد ، وأن الحلفاء قد يتحولوا إلى أضداد إذا ما تغيرت الظروف ” . وهذا ما يفرض علينا أخذه بالحسبان في التعامل مع مختلف دول العالم .
يقول معالي القلاب : ” ولذلك فإن هذه الحكومة وأي حكومة أخرى لا تستطيع حتى وإن كان على رأسها عنترة بن شداد أن تترك الأمور بالنسبة لهذه المسألة الحساسة تحت رحمة الأقدار ، وأن تترك الأردن بدون كهرباء ولا ماء ولو لأسبوع واحد ، ولذلك فإنها بادرت إلى إبرام هذه الاتفاقية الاحتياطية مع إسرائيل التي بالإمكان التخلي عنها فور توفر البديل هنا وسواء في غزة أو في لبنان أو سوريا أو حتى في قبرص أو حتى في جزر واق الواق ” .
وهنا أحب أن أقول لمعاليه : نحن في واقع حالنا الأردني لا نحتاج إلى ( عنترة بن شداد ) على رأس حكومتنا بوجود من هو أشجع منه في ساحة الوغى ، ألا وهو ( عبد الله بن نسور ) رافع سقف الضرائب ، وهو من سيدفن هذه الاتفاقية في مهدها ، لقناعته بالأسباب الموجبة التي يعرفها بنفسه وسأذكر بعضها تاليا :
أن إسرائيل دولة عدوة مهما تظاهرت بصداقتها لنا ولها تاريخ حافل بالتنكر للاتفاقيات الإقليمية والدولية . ومن المتوقع أن تستغل هذه الاتفاقية مستقبلا لممارسة الضغوط المختلفة علينا في أي وقت تشاء .
تنص الاتفاقية مع شركة إنيرجي على أن يتم تزويد الأردن بالغاز الإسرائيلي في عام 2017 ، وفي هذا التاريخ سيكون بإمكاننا إنتاج الكهرباء كما هو مخطط له ، من الصخر الزيتي ومن الطاقة المتجددة ( الشمس والرياح ) إضافة لإنجاز مد انبوبي النفط والغاز من البصرة إلى عمان والعقبة ، فضلا عن اكتمال ميناء الغاز المسال في العقبة . ولا شك بأن هذه البدائل تفي بالغرض الذي نسعى إليه .
أما رفض الأشقاء بيع الغاز للأردن فمن الواضح أنه يجرى لأسباب سياسية ، ويستطيع رئيس الحكومة بدهائه ودبلوماسيته وتذاكيه علينا ، استغلال مواصفاته لمد جسور الثقة مع الأشقاء ووصل ما انقطع بيننا وبينهم من علاقات نفطية أو غازية .
أقترح على الرئيس النسور أن يعمل خيرا ويبادر إلى وقف المشروع النووي ، الذي سيضعنا تحت خطورة بيئية ومديونية كبيرة ، قبل أن ينتج لنا الكهرباء إذا قدر لها أن تنير بعض مناطق المملكة في عام 2021 .
عندما يقول القلاب أنه بالإمكان التخلي عن هذه الاتفاقية في حالة توفر البديل ، فإنه يتناسى شروط العقود الدولية التي ستطبق على هذا العقد لمدة 15 عاما . وأنه في حالة الإخلال بها من قبل أي طرف من الأطراف الموقعة عليه ، سيتحمل ذلك الطرف غرامات مالية باهظة ، وكما عشناها قبل بضعة اعوام مع كازينو البحر الميت طيب الذكر .
مما تقدم يتبين لنا : ” أن ليس هناك ضرورات تبيح المحظورات ” كما حاول معالي صالح القلاب إقناعنا بصحة توجه الحكومة إليها ، وهو عذر لا يقنع حتى الأطفال . نحن يا معالي الأخ لسنا بحاجة لاستيراد الغاز من مصدر إسرائيلي باعتباره الخيار الوحيد المتوفر لدينا كما ادعيت في مقالتك ، لأن هذا المصدر سيتحكم بإرادتنا الوطنية ويضعنا تحت رحمته ، في الوقت الذي تتوفر فيه البدائل المحلية والعربية دون خطوط حمراء أو صفراء .
وإذا ما أصرّت الحكومة الأردنية على السير بهذا المشروع ، الذي يشكل خطورة على استراتيجيتنا ومصالحنا الوطنية العليا ، ولم تعتبر من تجربتها في الاعتماد على انبوب الغاز المصري ، والذي أعتبر في حينه خيارا وحيدا لتزويد المملكة بالغاز ، فإنها ترتكب حماقة جديدة ترقي إلى مستوى الجريمة بحق الوطن لا يجوز السكوت عليها .
والسؤال الأخير الذي أطرحه في نهاية هذه المقالة هو : طالما أن رسالة النوايا لا تلزم الحكومة بالسير قُدما بهذا المشروع المرفوض سياسيا وأمنيا واقتصاديا وشعبيا ، وفي ضوء توفر البدائل العديدة والآمنة لدينا ، هل يمكن لحكومتنا الموقرة أن تستعيد رشدها في حمل الأمانة الوطنية ، وتلغي رسالة النوايا سالفة الذكر مع شركة نوبل إنيرجي قبل أن تقع الفأس بالرأس ؟ ها نحن بالانتظار . . !

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.