صناعة الملل.. تكريس التخلف!
في هذه الأزمة الطاحنة، نكتشف كم نجهل كل شيء عن بعض من مواطنينا في هذه المنطقة. وغالباً، لا يستطيع أكثرنا حباً بالمعرفة أن يفيدك بالكثير في شأن مجتمعات عقائدية موجودة بيننا؛ مثل البهائية والإباضية والصابئة والأزيدية، وربما الكثير من الأطياف الأخرى التي لم تظهر في الأخبار. ويعني هذا الجهل عملياً، أن النسخة الحالية من ثقافتنا تخجل من تنوعها الخاص، بل وربما تكرهه وترفضه. ولا بد أن ذلك ينعكس بطريقة مؤلمة على مواطنينا أبناء هذه الطوائف الذين ينتمي أغلبهم إلى المنطقة كابراً عن كابر، والذين صادف أنهم وُلدوا لآباء ورثوا تفسيراً معيناً لهذا العالم. إنهم يضطرون إلى تخبئة اختلافهم والتكتم عليه وكأنه جريرة، ويشعرون بأن مواطنيهم يتنصلون منهم ويخفونهم مثلما يخفي صاحب البيت في الزاوية مقعداً مكسوراً حتى لا يراه الضيوف. وإلا، فلماذا لم ندرس في المدارس عن مواطنينا هؤلاء وبماذا يعتقدون، وكأنهم غير موجودين؟ لماذا لا يكاد الإعلام يلقي عليهم أي ضوء؟ لماذا يُلجأون إلى الانغلاق في زواياهم ليمارسوا طقوسهم وطبائعهم بعيداً عن الأعين، كمن يسرق شيئاً من أحد، أو كالأيتام على موائد اللئام؟
الآن، لم يعد الأمر يقتصر على التجاهل والتهميش. لقد وصل إلى التصفية الجسدية العلنية لكل مختلف، بل وحتى في داخل الطائفة نفسها. ومن العجيب أن تكون المذابح هي الطريقة التي نتعلم بها عن شرائح معمّاة من مجتمعنا. كان لا بد من اضطهاد الأزيديين العراقيين حتى نعرف بأنهم موجودون قربنا. يا لها من طريقة للمعرفة؟! وعندما حرضت المذبحة فقط فضولنا إلى المعرفة عنهم، فهمنا كم هم سلميون ولا يهددون أحداً بشيء. ومع أنهم عنيدون في مقاومة أي سلطة حاولت تغيير تفسيرهم للكون، فإنهم ليسوا حتى تبشيريين -بما تنطوي عليه فكرة التبشير من عدوانية- بل ويرفضون تحوُّل أحد إلى عقيدتهم حتى لو رغب. وفي الصور التي تعرض طقوسهم، تشيع أجواء حميمة، بل وبهيجة.
لكن إفساح مجال متعاطف وودود لوجود هذه التنويعات بيننا، أصبح يجلب لصاحبه تهمة الكفر! هكذا يقول المتطرفون بلا مواربة؛ وهكذا تحكم ممارسة الثقافة السائدة، ومعها المؤسسات التي تحترف الإقصاء والتمييز، بالكثير من المواربة. لقد تآمرت السلطات على جعل ثقافتنا أكبر وأول عدو للتعددية في العالم تقريباً، والمدافع الشرس عن اللون الواحد في السياسة والفكر والممارسة الاجتماعية. وبذلك، ترتب أن يكون الكل ضحية محتملة لصاحب اللون السائد في أي موضع أو مجال. فمن أين الأمل بالتقدم والمستقبل لهذه الأمة؟
الذي يفهم، لو لم يكن لديه تنوع لاشتراه. ولنتعلم من خطة التسويق السياحي لماليزيا مثلاً، والتي تركز على الافتخار بأنها موطن لثلاث ثقافات: المالاوية، والصينية، والهندية؛ وتعد السائح برؤية هذه الثقافات. وهي تعرض تراثها وخصوصياتها في إطار وحدة الشخصية الثقافية الماليزية. ماذا لو قرر واحد من هذه الأعراق إقصاء الباقين هناك؟ وماذا لو قررت إحدى العقائد في بلد مثل الهند ممارسة الإبادة الجماعية أو النفي في حق المختلفين، عندما تكون لديها 99 عقيدة مختلفة عنها؟
لقد أصبحنا مبتلين حقاً بفجيعة تنزيه الذات عن الخطأ، والاشتغال بتخطيء الآخرين. أصبحنا ضحية لرغبة أصحاب الاعتقاد بالأحقية في طلاء المنطقة وتأثيثها بلون واحد -رمادي في الغالب- في تجسيد كامل لمطلق الملل والإحباط. أصبح مجرد تصور النسخة المحنطة بالغة العدوانية التي تهدد بالتواجد في منطقتنا، يجمد الأطراف أكثر من أي رعب في فيلم كابوسي. لقد اشترك السياسي مع العقائدي في محاولة إرغامنا على التحدث بصوت واحد، والظهور بمظهر واحد، والترويج لفكرة واحدة. وأخيراً، يجري اختزال المطلوب في صورة نمطية: راية سوداء تنذر بالحِداد، ومجتمع مرتعب تتسيده هيئة شعثاء في يدها سكين جاهزة للذبح!
لطالما كانت هذه الوجهة الإقصائية الرافضة للتعددية -ممثلة في الساسة والعقائديين المتطرفين- وصفة تهديد الجميع وتعاستهم هنا. كانت -وما تزال- المبرر المثالي لقتل المختلف بدم بارد، ولجعل كل واحد منا ضحية محتملة للمختلف بنفس الذريعة. ولم تكن النتيجة في أي وقت أوضح مما هي عليه اليوم. هناك من دفع الثمن، والذي ينتظر. فهل نتعلّم؟!
الغد

