المهنة تعلّم الشرف أو تعلّم الفساد
من الواضح أن بعض المهن تعلّم أصحابها الشرف وإن كانوا فاسدين ، ومهن أخرى تعلّم أصحابها الفساد وإن كانوا شرفاء ، وهناك أيضا مهن تعلم أصحابها القسوة وإن كانوا رحماء . فمن حيث المبدأ يمكن اعتبار غالبية المهن شريفة بطبيعتها وتؤدي رسالة نبيلة في المجتمع ، خاصة إذا كانت تلك المهن تعمل في بيئة نظيفة ومنضبطة ، لا تغري أصحابها بالانجراف في مسارب الفساد . ولهذا فإنها تطبع سلوكهم بالأمانة والشرف مهما كانت نزعاتهم الشخصية .
وعلى سبيل المثال ، فإن مهنة موظف الجمارك والجابي والمحاسب ، تغري وتعلّم بعض اصحابها السرقة ولو بمبالغ بسيطة . ومهنة الطبيب الجراح والقصّاب تعلّم أصحابها القسوة نتيجة لممارساته العملية . والشريف يتعلم مهنة السرقة عندما يشاهد رئيسه يمارس أعمال النهب والسرقة من أموال مؤتمن عليها ، تطبيقا للمقولة القديمة : ” الناس على دين ملوكهم ” . فكم من شريف تحول إلى لص محترف يغرق بالفساد إلى عنقه مقتديا بسيده .
ومهنة رؤساء الدول والوزراء وكبار الموظفين هي مهن غير شريفة من منظور اجتماعي عام ، لأنها تعلّم الفساد في وجوه مختلفة . فعندما يتولى أحدهم منصبا هاما يكون قد خطى الخطوة الأولى نحو الفساد الكبير ، ويصبح أي مكان يشغله عرضة للفساد . وتستفحل تلك الظاهرة إذا كانت الوظيفة تحوي مالا سائبا بعيدا عن المراقبة يغري صاحب الموقع بالسرقة ، ولا يصمد أمامه إلا من كان يتصف بالاستقامة والإيمان العميق .
لقد أصبحت قصص الفساد ملازمة لكثير من رجالات الدولة في منطقتنا العربية . فعندما نستجوب الشاهد الكبير ( جوجل ) عن سيرة رؤساء الدول وزوجاتهم وكبار موظفيهم ، سيعطيك بكل جرأة وأمانة قوائم طويلة بقضايا فسادهم ، التي تنبعث منها روائح تزكم الأنوف ، وتفتح فضاءات واسعة نطل من خلالها على ما خفي وراء الحجاب .
لا أريد أن أعطي أمثلة تؤكد ما ذهبت إليه ، فالسنوات الأخيرة كشفت المستور لسيرة بعض المسؤولين وزوجاتهم وأبنائهم وأقاربهم في بعض الدول العربية ، والتي أصبحت معروفة للصغير قبل الكبير . وقياسا على ذلك فقد يكشف لنا المستقبل ممارسات مماثلة يلفها الكتمان حاليا ، لرجال ونساء لم يأخذوا العبرة مما حدث لأقرانهم في الماضي القريب .
الغريب في الأمر أن أولئك المسؤولين يعرفون ما يسجله التاريخ عليهم من تصرفات سيئة تحملها صفحات الشبكة العنكبوتية . ولكنهم لا يعيرونها أي اهتمام ، ولا يسعون لتبييض صفحاتهم الملوثة أمام الله والتاريخ . بل يتمادون في أفعالهم ويزدادون خبرة في مختلف مناحي الفساد على مرّ السنين بفضل بطانتهم العفنة ، التي تزين لهم الانزلاق في الموبقات تحت مسميات مختلفة تعود بفوائد شخصية على تلك البطانة .
يروي الكاتب جهاد علاونه في مقالة له نشرها قبل بضع سنوات ، قصة مسؤول سابق كان أمينا للعاصمة عمان كما يلي : ” جاء إليه رجل يريد ترخيص بناية كبيرة بكلفة مليون دينار أردني ، حين كانت قوة الدينار تعادل ثلاثة أضعاف قوته الشرائية الحالية . فطلب الأمين من الرجل عشرة آلاف دينار رشوة أو هبة لكي يوافق له على البناء المقترح .
غضب الرجل واتهم أمين العاصمة بالفساد وتقدم بمظلمة رسمية إلى رئاسة الوزراء . فتم استدعاء الأمين إلى الرئاسة لتوبيخه ، إلا أنه رد على سائليه قائلا : إنني طلبت منه فعلا المبلغ الذي ادعاه من أجل أن أعمّر فيه العاصمة ، وأنتم أعطيتموني هذا المنصب وقلتم لي بالعربي الفصيح ، مصاري من الحكومة ما فيه ودبر حالك من المواطنين ، وهذا الرجل يريد ان يبني عمارة بمليون دينار . فلو دفع للأمانة عشرة آلاف دينار مش رايحات يؤثرن عليه ، وأنا لا أستطيع أخذ مصاري من الناس البسطاء الذين يعمّروا غرفة أو غرفتين ” .
ويستطرد الكاتب في روايته قائلا : ” مهنة الرجل علمته على السرقة أولا من الكبار وأصحاب الملايين ، إذ كان قلبه يرق على البسطاء في ذلك الحين . ولكن مع مرور الزمن قسى قلبه وسرق أصحاب الغرفة والغرفتين ، وحتى الذين لا يملكون غرفة ولا سريرا . وعندما أصبح عمره خمسين عاما كان يملك ما يقارب 55 مليون دينار أردني . فلو أن هذا الرجل عمل في مهنة أخرى شريفة ، لبقي محافظا على شرفه ولم ولن يتلوث بالفساد ” .
وفي هذا السياق يروي لنا التاريخ الإسلامي أنه في العام السادس عشر للهجرة ، عاد المسلمون بتاج كسرى وكنوزه بعد انتصارهم عليه في بلاد فارس ، وسلموها كاملة غير منقوصة إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المدينة المنورة . فتعجب عمر من أمانة الجند على هذه الأموال والمجوهرات النفيسة ، رغم بعد المسافات وطول المدة الزمنية لاحتفاظهم بها فقال : ” إن جيشا أدى هذا لذو أمانة ” . فأجابه الإمام علي كرم الله وجهه : ” عففّت فعفّوا ولو رتعت لرتعوا ” .
والفساد كظاهرة اجتماعية ليس مقصورا على النواحي المالية والإدارية ، بل يشمل أيضا ممارسة السلطة أو التخلي عنها بصورة تتنافى مع الأخلاق والتقاليد المتبعة ، وفيما يلي بعض الأمثلة على ذلك كما سجلتها صفحات التاريخ :
• في عام 1888 اعتلى عرش ألمانيا القيصر ( ويلهلم الثاني ) والذي كان مغرما بالقوة والسلطة. فاختلف مع بسمارك الذي كان يعمل مستشارا للدولة ومؤسسا لوحدة ألمانيا أو ما سمي بالرايخ الثاني . وفي وقت لاحق طرده القيصر من منصبه وخلع عليه لقب الأمير . غير أن بسمارك امتلأ غيظا ونقمة على الملك والملكية وقضى بقية عمره في أملاكه الخاصة . وفي حديث لأحد أصدقائه قال : ” كنت عند تولي منصبي أزود نفسي من معين لا ينضب من الحنين والاحترام للملكية ، ولكنني مع الأسف أرى ذلك المعين يجف وينضب . لقد رأيت ثلاثة من الملوك على حقيقتهم ، فلم يكن سلوكهم سارّا ” .
• في أواسط القرن السابع عشر قاد ” الفرد كرومويل ” أول ثورة في أوروبا ضد الملكية البريطانية ، وهوى رأس الملك تشارلز الأول بعد إعدامه أمام دار الضيافة في الوايت هول بلندن عام 1649 . وحين دارت العجلة ومات كرومويل وعادت الملكية إلى انجلترا بعد انتكاسة
الثورة ، أصرّ ابن الملك العائد إلى العرش تشارلز الثاني ، على تنفيذ حكم الإعدام بكرومويل ، ولكن كرومويل كان قد مات . وبأمر من الملك الجديد تم حفر قبر كرومويل وأخرج هيكله العظمي ثم عُلّق في حبل المشنقة .
• في عام 1926 وقَعَ الأمير البريطاني إدوارد في حب سيدة أمريكية متوسطة الجمال أسمها ” واليس سمبسون ” كانت تعيش مع زوجها سمسار السفن في إنجلترا . فتوطدت العلاقات العاطفية والزيارات بين الأمير والسيدة وامتدت لسنوات عديدة . وعندما أصبح الأمير إدوارد الثامن ملكا على عرش بريطانيا ودول الكومنولث وايرلندا والهند في بداية عام 1936 ، انفصلت السيدة واليس عن زوجها لتتزوج بالملك الجديد . ولكن رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ” ستانلي بالدوين ” عارض هذا الزواج ، باعتبار أن الملك راعي الكنيسة الإنجليزية ولا يحق له الزواج من مطلقة . واجه رئيس الوزراء الملك بالحقيقة وأخبره بأن عليه أن يختار بين العرش وبين الزواج من تلك المرأة . فأجاب الملك بأن العرش لا يعني له شيئا بدون وجود السيدة واليس إلى جانبه مفضلا المرأة على العرش . وهكذا وقّع الملك وثيقة التنازل عن العرش دون تردد . وفي الثالث من حزيران عام 1937 تزوج من واليس في حفل بسيط أقامه في قصر كاندي بفرنسا حضره أصدقاؤه ، وسط مقاطعة كاملة من أفراد العائلة المالكة ، التي كانت مستاءة من زواجه وتخليه عن عرش بريطانيا العظمى من أجل امرأة مطلّقة . واستمرت تلك المقاطعة له حتى توفي في عام 1972 عن عمر يناهز 77 عاما .
• أما الملكة آينزي كاستور ملكة البرتغال السابقة وزوجة بيدرا الأول ، فقد اغتالها أحد أفراد شعبها لأنها كانت مكروهة من قبل الشعب . وعندما ورثها زوجها ملكا على البرتغال عام 1361 أخرج جثتها من القبر ونصّبها على العرش نكاية بالشعب قائلا : ” إنها ملكة البرتغال “. فأصبحت أول ملكة تحكم شعبها بعد موتها . ولا نعرف إن كان التاريخ المعاصر سيعيد نفسه بصورة مماثلة في يوم قادم أم لا ؟
يتضح مما سبق أن مهنة الإنسان تلقي بظلالها عليه وتؤثر في سلوكه وتصرفاته . فمهنة رؤساء الدول والوزراء وكبار الموظفين تعلّم أصحابها الفساد بوجوه مختلفة ، وتقودهم أحيانا إلى التضحية بمسؤولياتهم الوطنية لأسباب تافهة ، حتى وإن كانوا قبل ذلك وطنيين وشرفاء . وقد أثبتت التجارب أن الرجل الشريف في دول العالم الثالث ، لا يستطيع أن يتولى منصبا كبيرا ويبقى محافظا على شرف مهنته ــ إلاّ من رحم ربي ــ خاصة في غياب المساءلة . ولا يطهّره من ذنوبه التي غرق بها إلاّ خلعه من منصبه ، ومحاسبته على كل ما اقترفت يداه بحق الأمة . . !
التاريخ : / 8 / 2014
* فريق ركن متقاعد

