صحيفة الكترونية اردنية شاملة

فرانكشتاين في بغداد

0

بقدر ما كان الروائي العراقي أحمد السعداوي، يستقرئ المشهد العراقي (بعد الاحتلال) في روايته “فرانكشتاين في بغداد” (والتي حازت مؤخراً على جائزة البوكر العالمية للرواية العربية)، بقدر ما كان يحمل نبوءة سيئة ليس فقط للمجتمع العراقي، بل وأيضاً للمجتمعات العربية التي لحقت به في بحور الفوضى والصراعات الداخلية والجنون الطائفي وغياب القانون والفساد والتخبّط السياسي والشكّ الأخلاقي!

جوهر هذه النبوءة يتمثّل في الشخصية المحورية في القصة؛ هادي العتّاك (بائع بسيط يتاجر بالأثاث القديم، يسكن في حيّ البتاويين في بغداد، وهو المسرح الرئيس للرواية)، والذي يقوم بصناعة “مسخ” من أشلاء الضحايا ويخيّطها حتى تصبح كائناً متكاملاً (الشسمه في الرواية). وهو يصبح، لاحقاً، المجرم الخطر الذي يقتل ويصنع رعباً كبيراً في المنطقة، ويتحوّل من كائن صُنع بهدف الانتقام لضحايا حوادث الإرهاب والعنف، يثأر للأشلاء التي شكّلته، إلى كائن هدفه وغايته القتل لمجرّد القتل، لأنّه كلما قتل استمرّ في الحياة عبر أشلاء الضحايا التي تكوّن جسده الجديد!

في نهاية الرواية، يتركنا السعداوي أمام أسئلة مفتوحة، عندما تكتشف الشرطة نفسها أنّ العتّاك نفسه هو المجرم الخطر، وأنّه الشخصية الحقيقية وبطل الرواية الذي يتحوّل إلى قاتل مجرم، بينما يشكّك أهالي الحي بهذه الخلاصة. وتفيدنا أحداث القصة وفصولها بأنّ “المسخ” هو المجرم الحقيقي، وربما هذا، بحد ذاته، يكشف عن الفكرة الرهيبة الثاوية وراء هذه الرواية الفظيعة، وتتمثّل في تحول الإنسان البسيط إلى مجرم يمتهن القتل والذبح!

يفصح السعداوي عن هذه المقاربة في لقاء إعلامي له بالقول: “ركّزت على قدرة الخوف، حين يتضخم، على صنع أعتى الوحوش، سواء كانوا وحوشاً افتراضية لا وجود لها أصلاً على أرض الواقع، أم أشخاصا تحوّلوا بسبب رائحة الدم إلى وحوش في نهاية المطاف”. ويكشف أكثر عن مهمة الرواية بالقول: “قصة فرانكشتاين هي قصة العدو الذي يخلقه الخوف من المجهول، وقصة المجتمع الذي يتلقى تبعات الأحداث السياسية والتاريخية الكبرى كضحية دائماً ولا يستطيع ردها، ويخلق من أوهامه وتخيلاته معنى ما لحالة اللامعنى التي يغطس فيها الجميع”.

الرواية بفصولها مرعبة ومقلقة، إذ تغوص وراء الأحداث والتفجيرات والفوضى والمفخخات، لتكشف لنا عما هو أخطر من ذلك، في ظنّي؛ عن الإنسان الجديد الذي ينمو في أحشاء الظلم والخوف والتهميش، ليصبح بطلاً في المشهد العربي، وما هو إلاّ “مسخّ” ناجم عن الأحقاد والاحتقان والفوضى الداخلية، إذ تشكّلت ثقافته وهويته على قاعدة الانتقام والقتل والكراهية!

يفضح صاحب الرواية هذا المغزى حين يتحدث عن هذا الكائن (الذي تحوّل إلى آلة قتل ودمار عبثية): “ظلت صورته تتضخّم، رغم أنّها ليست صورة واحدة. ففي منطقة مثل حيّ الصدر، كانوا يتحدثون عن كونه وهّابياً، أما في حيّ الأعظمية فإنّ الروايات تؤكّد أنّه متطرف شيعي. القوى العراقية تصفه بأنّه عميل لقوى خارجية، أما الأميركان فقد صرّح الناطق باسم الخارجية الأميركية ذات مرّة بأنّه رجل واسع الحيلة يستهدف تقويض المشروع الأميركي في العراق. ولكن ما هو هذا المشروع يا ترى؟ بالنسبة للعميد سرور، فإنّ مشروعهم خلق هذا الكائن بالتحديد، خلق هذا الفرانكشتاين وإطلاقه في بغداد. الأميركيون هم من وراء هذا الوحش”.

بقي القول أنّ الفرق الكبير بين فرانكشتاين (ماري شيلي) وفرانكشتاين السعداوي يتمثل في أنّ “الكائن المسخ” في الرواية الأولى نتيجة تجربة مخبرية، أما في الثانية فهو محصلة أشلاء الدماء والعنف الحقيقي على أرض الواقع.

الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.