صحف ومدن
الصحف مثل المدن، أو هما توأمان؛ لا مدينة بلا صحيفة، ولا صحيفة بلا مدينة. الصحف الأميركية أوضح مثال على ذلك؛ نيويورك تايمز، لوس أنجلس تايمز، واشنطن بوست… فلكل مدينة صحيفتها، لأن الإعلام بعامة والصحافة بخاصة مؤسسات مجتمعية، تخدم المجتمع المحيط بها، وتشغلها قضايا المدينة؛ الأسواق والسلع والخدمات والرياضة والثقافة والجرائم والمشكلات والانتخابات والبلديات والطرق والأرصفة.. والحياة اليومية بكل تفاصيلها وهمومها. الصحف التي لا تستمد وجودها وازدهارها من المدينة التي تصدر فيها، هي صحف طفيلية بشعة تشوه المدن والتجمعات حول المدن، وتساهم في تحويل الناس إلى مجاميع تائهة.
الصحف والإذاعات مثل المدن في انتمائك اليها؛ في غربتك فيها؛ في نموها وانحسارها. إذ كانت هناك مدن مزدهرة عامرة على طرق القوافل، واختفت مع القوافل، فلم نعد نتذكرها. وعندما تقرأ في الصحيفة للمرة الأولى، ينتابك الشعور نفسه عندما تزور مدينة للمرة الأولى؛ وعندما تبدأ الكتابة في صحيفة، تتذكر إقاماتك وترحالك في المدن؛ وعندما تتوقف عن الكتابة في صحيفة، يراودك الشعور نفسه عندما ترحل عن مدينة؛ وعندما تنتقل من صحيفة إلى صحيفة، فكأنك انتقلت من مدينة إلى أخرى! عندما لا تألف إذاعة أو محطة تلفزيونية فأنت غريب، وعندما لا تحب صحيفة أو إذاعة أو مدينة، فإنها أيضا لا تحبك أو لا تهتم بك.
في الصحف والمدن بقيت غريبا. ثلاثون عاما من الكتابة الصحفية بقيت كما في المدن لاجئا غريبا. عندما هبطت إلى عمان غريبا لاجئا مهزوما في العام 1990 مع تداعيات الغزو العراقي للكويت؛ تسللت إلى “الحياة” (الصحيفة) عبر فاكس حصلت عليه كنت أراه نافذتي على العالم، وتسللت إلى الحياة (التي ليست صحيفة) وبقيت متسللا؛ لكأن بدايتك هي قدرك. كانت الصحف المحلية والإخوانية الحمساوية ترفضني، الأولى لأني من الإخوان والثانية لأني من تيار “الأردنة”! وعندما تركت الإخوان صارت الصحف ترفضني لأني تركت الإخوان. وعندما انتقلت الى الدوحة والجزيرة والشرق القطرية ثم العرب (الصحيفة) ظل الأمر كما العرب (التي ليست الصحيفة).. عندما تكون غريبا في بلدك تكون ذليلا في خارجه، وعندما تكون مهمشا في لعبة الدولة والمجتمع تظل مهمشا في أفكارك ومشاعرك!
بيتك هو المكان الذي يحق لك أن تغضب فيه وتحتج بلا خوف من العواقب، أو على الأقل لا تطرد منه؛ أن تشعر بأنك قادر على الغضب والاحتجاج بلا خوف ولا تردد. وعندما لا تكون قادرا على الغضب، فأنت غريب مهمش، لست في عملك الحقيقي ولا في مدينتك الحقيقية!
عندما تصبح المدن بلا مجتمع ينتمي إليها، ويتشكل فيها حول المكان والحياة والخدمات والأحلام والفنون والموسيقى، يغيب القانون والعدل تلقائيا، وحتى عندما يطبق القانون فإنه يطبق على نحو تسلطي مذلّ.
المشكلة في الهامش عندما يطول ويمتد في الزمان والمكان، إذ يصبح مدينتك التي لا تطيق فراقها، يصيبك مثل السجين الذي أفرج عنه، فشعر بخوف واكتئاب فارتكب جريمة كي يعود الى السجن. ليست الهوامش والعشوائيات أمرا سيئا، السيئ فقط هو الحظ السيئ!
الغد

