من يعيد إعمار قلوب أطفال غزة؟
عاجلا أم آجلا سوف يتم توقيع اتفاقية لوقف إطلاق النار وتهدأ اصوات المدافع والقنابل وربما تبدأ جهود فلسطينية وعربية لإعادة إعمار ما تم تدميره من المباني والبنية التحتية في غزة، ولكن ما سيكون من الصعب جدا إعادة بنائه هو النفسية الفلسطينية والتي تعرضت لضغط ومآس ٍ يعجز عن وصفها قلم ولا لسان. فما يشاهده أبناء غزة مجازر وكوارث وإيام سوداء لن يندمل جرحه بسهولة.
يحس الفلسطينيون بالكثير من الحقد تجاه الإسرائيليين، وبالكثير من الغضب والخيبة تجاه إخوتهم العرب، ولا أحد يشك في ذلك، بل هذا نتاج طبيعي لسنوات طويلة من الحصار والقصف والتدمير والقتل، ولكن الكبار قد يتمكنوا من تجاوز هذه الآلام فقد تعودوا على هذه الحياة. الخوف هو على الصغار وعلى الأطفال الذين حرموا من طفولتهم ومن حقهم في اللهو والضحك والمرح حتى على شاطئ البحر حيث تنتظرهم صواريخ القتلة ليمضوا أياما وساعات من الدموع والدماء وهم يفقدون الآباء والأخوة والأمهات والبيوت والذكريات الجميلة.
ما به الطفل الفلسطيني سواء في غزة أو الضفة الغربية وكأن العذاب مكتوب عليه، لماذا لا يحصل على حقه مثل كل أطفال العالم في حياة آمنة وهادئة مع أب يعود يوميا إلى البيت، وأم تسهر على راحته بدون أن تذرف عيناها الدموع وأخوة يسندون العائلة ويوزعون في أرجاء المنزل كل النشاط والحيوية. ليس غريبا أن يتحول بعض الأطفال الفلسطينيين إلى فدائيين صغارا بلا خبرة ولا تدريب يحاولون القيام بعمليات مستعجلة ليستشهدوا على يد الجنود الإسرائيليين.
ينمو الطفل الغزاوي والفلسطيني ومصيره مرسوم منذ البداية إما أن يكون شهيدا يتعرض للعنف الإسرائيلي أو عنصرا في المقاومة يختار المواجهة بنفسه. نقول نحن، ونعلم أنه من الصعب جدا الحديث عن العقلانية في هذا الجو السياسي والعسكري المشحون، أن للطفل الفلسطيني أيضا الحق في أن يحلم بمستقبل لا يرتبط بالموت والشهادة بل بالتعلم واللهو والحصول على حقوق الطفولة كاملة. الجرائم الإسرائيلية الأخيرة جعلت الحديث عن السلام بمثابة نكتة في غاية السماجة، ولكن وحتى لو بقي الكبار يفكرون في الخطوة العسكرية القادمة وفي الثأر والانتقام فإن من حق الأطفال أن يحلموا بغد أفضل لا يخافون فيه من الرصاصة القادمة ويتأكدون من أن الأب والأخ الذي يودعهم صباحا سيعود للمنزل سليما في الليل أو أنهم لن يتعرضوا لقصف صاروخي يدمر بيتهم الآمن فوق رؤوسهم الصغيرة.
لقد حول الإسرائيليون حياة الأطفال الفلسطينيين إلى معاناة دائمة وحزن ودموع لا ينقطعان، وحولوا ألعابهم من دمى بريئة إلى “أسلحة بدائية يحلمون أن يستخدموها يوما ضد أعدائهم، وجعلوهم يختصرون طفولتهم ليصبحوا رجالا في أيام قليلة، ولكن لكل ذلك تأثيره على النفس وعلى الشخصية.
لقد سرق الوحوش البسمة والضحكة من عيون الأطفال الفلسطينيين، ونتمنى أن يتجاوز الأهالي مآسيهم وأن يبقوا لأطفالهم أقل قدر ممكن من براءة الطفولة لأن ضحكة الطفل تبقى دائما أملا في مستقبل أفضل ومؤشرا على انتصار الشعوب على الجلادين والمحتلين.
الفلسطينيون أبدعوا دائما وعلموا الجميع كيف يكون النضال، ونتمنى أن يتمكنوا من مسح دموع أطفالهم والأخذ بيدهم إلى ما يمكن أن يكون بارقة أمل في مستقبل أفضل ومداواة لجراح هذه المجزرة، فهؤلاء الأطفال لهم الحق في الحياة والسعادة، كما للكبار جميعا الحق في الثأر والانتقام ولكن نتمنى أن لا يكون أطفال اليوم استشهاديي الغد بل طلبة في الجامعات والمدارس، وشبانا يحققون آمالهم وطموحاتهم في الحياة عندما تكون فلسطين حرة مستقلة.
الدستور

