صحيفة الكترونية اردنية شاملة

هياكل حكومية مهرَّبة

0

مؤسسات المجتمع المدني ليست مجرد هياكل حكومية، مشتتة بين دورها المدني والتوظيف الرسمي، إنها مكون رئيس من مكونات بنية الدولة، ضالعة في التعدد والشمولية لكل مناحي حياة المجتمع المدني سياسيا واقتصاديا وثقافيا وتعليميا.. إنه مجال اجتماعي حيوي وفاعل في الحياة، لكنه على مستوى الشكل يقع ضمن مجال العلوم السياسية، ولهذا الاعتبار لنا أن نتخيل كم يمكن لسطوة المجال السياسي أن يبتلع جزءاً كبيراً من فاعليته وأثره وجدواه.
الأحزاب السياسية والمراكز البحثية ومنظمات حقوق الإنسان والنقابات وهيئات الثقافة والأندية والجمعيات كلها مكونات المجتمع المدين وتكوّن في مجموعها فاعلية مؤسساتية حكمية رشيدة، وكما يؤكد ( يورغن هابرماس ) بأنه لا شرعية لدولة دون هذا المكوِّن الذي يقدّم دوما مبادئ جديدة في حركة الدولة في سياق تطورها وإصلاح أدواتها، بالإضافة إلى رقابيتها الضمنية التي يمكن اعتمادها كمقابل موضوعي للرقابة البرلمانية الهشّة، من حيث أنها ترصد قدرة الدولة على التنفيذ الفعال للحقوق والخدمات الممنوحة للناس، ليس تغولا على دور مجلس البرلمان، ولكن مساهمة في التعضيد والدعم له.

ولكن أيضاً ….. !

بما أن الدور الرقابي ( المدستر ) بمواد دستورية فقد بريقه وقدرته وفاعليته الرقابية، فكيف إذن بالدور الرقابي المتأتي على شكل منحة حكومية لمؤسسات ليست رقابية رسمية، الأمر هنا يحتاج لإعادة إنتاج دور موازي ومكتسب بحكم القوة والرصيد المجتمعي وبحكم أنها وسيط بين الدولة والأفراد حسب المؤرخ السياسي الفرنسي ( أليكسس دو توكفيل )، فبقدر أن هذا سمة من سمات دولة الرفاه الاجتماعي المعاصر إلا أن دورها وأهدافها وحدود مسؤولياتها الأخلاقية ليست رفاهية وعناوين شعاراتية برّاقة للدولة.

الأصول الاخلاقية والسياسية المكتملة لـ ( المجتمع المدني ) تعود إلى عصر الحداثة الاوروبية ( القرن السابع عشر )، وقد ساهمت لدى الأمم الحية في إنتاج الهوية والوعي وصوغ الذاكرة التاريخية لمجتمعاتها، لكننا نحن في دول الهياكل المؤسساتية الرسمية ما زلنا نبحث عن معنى رسمي لـ ( توليد رأس المال الاجتماعي ) من خلال مؤسسات مدنية يتم تهريب متونها الفاعلة في المجتمع وحياة الناس والطبقات إلى هوامش.. إنها هياكل حكومية مهربة إلى المجتمع المدني على هيئة مجتمع مدني.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.