صحيفة الكترونية اردنية شاملة

أين أصحاب الضمائر الحية..؟!

0

في كتاب مذكراته “ضمائر حيّة”، يروي الكاتب السوفياتي بيوتر فيرشغورا كيف تحول من مخرج سينمائي إلى قائد لإحدى أهم وأكبر فصائل الأنصار في الحرب العالمية الثانية. في أول اشتراك له في القتال، تمزقت وحدته المشكلة على عجل من مقاتلين مدنيين مباشرة. ولا يخفي شيغورا رعبه عند الضربة الأولى، بل وفراره ابتداء قبل أن يساعده آمره على استعادة رباطة جأشه. ثم يُقتل قادة الوحدة تباعاً ويصبح هو الآمر تلقائياً قبل انفراط الوحدة وعودة الناجين فرادى إلى المؤخرة. وهناك يطلب من رؤسائه أن يعمل خلف خطوط العدو، مع قوات الأنصار. وبعد أن يهبط بالمظلة هناك ويعمل أياماً مع فصيلة “كوفباك” الأوكرانية الكبيرة، ويرى طباع قادتها ومقاتليها، يقرر أن يخوض معها بقية الحرب، ويعد، إذا امتد به العمر، أن يضع كتاباً عن فصيلته (التي أصبح قائدها فيما بعد) ويسميه “ضمائر حيّة”.
تمتلئ الرواية المشوقة بقصص البسالة والإخفاقات والنجاحات. وتتمكن هذه الفصيلة المحكومة بأخلاقيات إنسانية وعسكرية ملفتة أن تناور وتتنقل في مساحات شاسعة خلف خطوط الألمان، وتلحق بهم الخسائر وتقطع طرقهم وإمداداتهم. ويحظى عمل الفصيل بتقدير القيادة المركزية، لأنه يخفف الضغط مع عمل الأنصار الآخرين عن الجيش النظامي الذي يشن هجومه المعاكس الحاسم في قوس كورسك. وكما هو معروف في التاريخ، تمكن الاتحاد السوفياتي في ذلك الحين من دحر الغزاة الألمان ومطاردتهم حتى بلدهم نفسه.
بغض النظر عما قد يخالط أعمال الأدب الحربي من التجميل الروائي، فإن أبطالها يظلون مثاراً للإعجاب. وقد ينسى المرء وهو يتأمل سمات هذه الشخصيات ويلات الحرب، وينسجم فقط مع جماليات المقاومة. وإذا استقر في الخلفية أنّ نضالات هؤلاء تكللت بالانتصار وتحرر الأوطان، فإن النهايات السعيدة تجبّ التفاصيل القاتمة، ويصبح ألق المستقبل أقوى جاذبية من عتمة الماضي.
لم نعدم نحن أيضاً مثل هذه الحالات من البسالة وتجليات أفضل ما في الإنسانية من صفات في تاريخنا القريب. كانت بلادنا كلها مُستعمرات للغزاة الأغراب، ثم استقلت. وكان وراء الاستقلالات العربية مناضلون من هذه الطينة المنسجمة مع ذاتها والعارفة بأهدافها. لم يسجل التاريخ أن الثائرين العرب ضد الاستعمار استهدفوا مواطنيهم بالقتل أو أوطانهم بالتخريب. كان هؤلاء يفيضون شفقة على مواطنيهم ووجداً بأوطانهم حتى اعتبروا التضحية بالروح من أجلهم أقل ما يجب. وعندما نتحدث عن عمر المختار؛ عن عزالدين القسام وسلطان الأطرش؛ عن يوسف العظمة وعبد القادر الحسيني، فإننا لا نشتبه في نقاء الفكرة والمقصد، ولا يخالطنا شك في الإخلاص المطلق للوطن والمواطنين والعداء المطلق للمحتلين.
في الثورة الفلسطينية، آخر الثورات على الاستعمارات القديمة (قبل عودة الاستعمارات) والتي لم يُكتب لها الانتصار بعد، أتصور المناضلين الأوائل على شاكلة أبطال فيرشيغورا. كانت البسالة والعزيمة وعشق الفدائي الكبير لوطنه وأهله هي التي تقود أبناء اللاجئين المنكوبين إلى طريق المعسكر والكفاح. كان الإيمان بالانتصار غامراً ومخلصاً، يفيض من المقاتلين إلى الشعب كله. ومع أن الحالة الفلسطينية ما تزال تنتج هذه النوعية الفريدة من المناضلين، فقد بهت النضال كله لأنه لم يعد مؤطراً بقيادة مثل التي أغرت فيرشيغورا بالقتال مع الأنصار في الغابات والسهوب حتى نهاية الحرب. وعندما نقرأ عن شغفه بقادة فصيله وإسهابه في وصف طريقتهم في إخراج مقاتليهم من المآزق، وتعبئتهم وتربيتهم التي يمتزج فيها الانضباط بالإخلاص والعاطفة، فإننا نفكر بما ينقصنا.
الآن، اختلط علينا تماماً تعريف المناضل الثوري والقائد الوطني في هذه المنطقة. لم نعد نميز الذي يقاتل الاستعمار من الذي يقاتل لأجل مصالحه الخاصة. لم نعد نعرف مَن هو العدو ومن هو الصديق. أصبحنا نرى البنادق في كثير من الأحيان تتوجه إلى صدور أصحابها ومواطنيهم، والتفجيرات تمزق مقدرات الأوطان وتستهدف الجيران والأقارب من الأبرياء بدل أن تستهدف عدواً خارجياً. أصبحنا مليئين بالشك في الخطابات والوجهات والنوايا. وفي كل ذلك، ضاع تعريف العدو الحقيقي أيضاً واختلف الجميع على تعريفه، حتى أفلتَ وشغلنا بحرب أنفسنا. أصبحنا نتعقب الوطنيين الحقيقيين، أصحاب الضمائر الحية، ونبحث عنهم فلا نكاد نقع لهم على أثر.

الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.