صحيفة الكترونية اردنية شاملة

في ‘قبضة داعش’!

0

بالرغم من الكمّ الكبير من المواد والمقالات والتقارير المحلية الإعلامية الأردنية عن تنظيم “داعش”، وما حققه من تقدم عسكري ملحوظ في العراق خلال الأيام الماضية، إلاّ أنّ نوعية هذه التغطية اتسمت، في أغلبها، بالسطحية وغياب الموضوعية وضعف المهنية، وفيها قدر كبير من الخفّة والاستخفاف بثقافة وعقل القارئ الأردني.
نسبة كبيرة من هذه المادة الإعلامية المتضخّمة إمّا أنّها عبارة عن ترجمات من الصحف الغربية، من دون النظر أو التدقيق حتى في جودة تلك التقارير والمقالات، أو مدى فهم أصحابها فعلاً لهذه التطورات، وتحديداً لطبيعة “داعش”؛ أو أنها تقارير وكالات أنباء عالمية، في جزء كبير منها تضخيم وتهويل في صورة هذا التنظيم ومستوى قدراته.
بالرغم من ذلك، فإنّ نوعية التقارير الإعلامية والمقالات الغربية كانت أفضل عموماً، وأكثر جديّة واهتماماً من المادة الإعلامية المحلية؛ الضحلة في مضمونها، والهائلة في حجمها ومساحتها. إذ لا تكاد تقع على أيّ جهد إعلامي نوعي حقيقي في التقارير حول ما يجري في الجوار، أو انعكاساته على الداخل الأردني، باستثناء جولة “الغد” التي رصدت مبكرا المشهد المتوتر على الحدود العراقية الأردنية في 25 حزيران (يونيو) الماضي. كما لم نجد استثماراً إعلامياً معلوماتياً لنسبة كبيرة من القيادات العراقية المتواجدة في عمان؛ إذ هناك شخصيات لها دور كبير وعلى اطلاع جيّد بالأحداث الجارية هناك.
تبدو المفارقة في أنّ النسبة المحدودة تماماً والنادرة التي تحمل قيمة مضافة في الإعلام الأردني عن “داعش”، جاءت من خلال زيارة قامت القوات المسلحة الأردنية بترتيبها للإعلاميين إلى المناطق الحدودية مع العراق، ما أتاح الفرصة لبعض الصحفيين لإجراء مقابلات مع سائقي شاحنات قادمين من العراق للاطلاع على ما يجري هناك، كما ترصد الزميلة سوسن زايدة في تقريرها الدوري “عين على الإعلام”.
على صعيد التداعيات المتوقعة لأحداث العراق على الأردن، وقع الإعلام الأردني في الفخّ نفسه؛ من تكرار تقارير تخلو من معلومات إضافية حقيقية أو من سبق صحفي. إذ نجد فقط تقارير تتضمن مقابلات أو أسئلة طرحت على نخبة أردنية، بما لا يقدم ولا يؤخرا كثيراً في معلومات القارئ!
حتى على صعيد الوعي الوطني، فإن المادة الإعلامية المحلية ساهمت في تضليل الرأي العام وتشتيته حول تأثير ما يجري في العراق على الأردن. إذ إنّ قراءة بعض التقارير والمقالات والتحليلات، بخاصة في المواقع الإلكترونية، وضمنها الحديث الدائم عن سيطرة “داعش” على الحدود، وتصريحات مسؤولين باستعداداتنا لمواجهة أي مخاطر، كل ذلك أعطى صورة غير صحيحة عن طبيعة التحدي أو التهديد المتوقع على المديات القصيرة والمتوسطة والطويلة.
هذا وذاك أصاب قدرة المواطنين على تقدير ما يحدث بعطب شديد، لدرجة أنّك تواجه أسئلة ساذجة في الشارع بصورة مستمرة، من مثل: هل تتوقع أن يدخل “داعش” إلى الحدود؟ وهل سيأتون إلينا؟! وكأن “داعش” يملك جيوشاً وفيالق تقف على الحدود، وتنتظر القرار العسكري لدخول الأردن!
وزاد الطين بلّة تلك الفزعات العشائرية التي تتوعد وتنذر “داعش” من أي محاولة لتهديد أمن الأردن. والأدهى والأمرّ أن نقرأ مقالات أو بيانات تتغزّل بهذه البيانات العشائرية، من دون أن نتساءل فعلاً، وبصورة دقيقة، عن التحليل الواقعي الموضوعي لما يحدث على حدودنا الشرقية!
أمّا الفشل في الاختبار الإعلامي، فتبدّى بصورة واضحة في الحديث عن “داعش الأردن” (مؤيدي هذا التنظيم). إذ بدلاً من تحري الكتاب والتقارير الإعلامية الدقة والموضوعية والجدية في دراسة هذا التيار وحجمه، أصبحنا نجد من يخلط الحابل بالنابل، فينظر إلى كل من يطلق لحيته أو يتبنى موقفاً دينياً من أي مسألة بوصفه “داعشيّاً”. وإذا كان هذا التصنيف موضوعياً، فلا ريب أنّنا أصبحنا في “قبضة داعش”، في ضوء هذا التصنيف الإعلامي الساذج!

الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.