هـدنـة مجتمعـيـة فـي رمضـان
يشتعل الغضب الأردني لابسط الاشياء، ونسمع كل يوم عن قتلى وجرحى في مشاجرات غاضبة باتت تستهلك كميات من الاعيرة النارية وما تيسر من ادوات حادة، ونرى كل ساعة مشاجرة او نرفزة قاسية على الطرقات مصحوبة بأزمة خانقة ترفع منسوب الادرينالين دون صيام، فكيف الحال في الصيام وسط اجواء حارة وبداية دوام اسبوعي .
دون شك نضع ايدينا على قلوبنا من نرفزة رمضان ومن ارتفاع منسوب الادرينالين بحكم الصيام، وثمة من يصوم ليقوم بتحميل الآخرين وزر صيامه وجوعه وعطشه، وسط ما يشبه الانفلات الاجتماعي؛ ما يضاعف الحمل على الامن العام وقواته ويضاعف الحمل على وجوه الخير من دعاة وقادة رأي لضبط ايقاع الساعة البيولوجية للمواطن الصائم والاهم رقابة الاسواق والاسعار والسير على الطرقات .
نضع ايادينا على قلوبنا من نرفزة رمضان وسط تسخين مجتمعي واحتقان اقتصادي وسياسي، وعلى الحكومة ان تدرك ان رمضان يحتاج الى خطة خاصة لتجاوزه في ظل صعوبة الاوضاع وانفلات الاحوال في جوار محترق، وان دوائر الخدمة في رمضان بحاجة الى ضبط اعصاب اكثر من ذي قبل لاستيعاب المراجعين، وان الموظف العام يتلقى رواتبه من الضرائب التي يدفعها المواطن وبالتالي هو موظف عند الناس وليس موظفا عليهم .
ببساطة نحتاج الى هدنة مجتمعية او الى عطوة اجتماعية من النرفزة والطيش والغضب، نحتاج الى رسالة تريح المواطن عبر سلوك راقِ من الامن العام ودائرة السير تحديدا، نحتاج الى سحب الصواعق من المجتمع المنفلت نسبيا، والذي يحمّل الحكومة واجهزتها كل الوزر ولا يحاسب نفسه لحظة واحدة في شهر الخير والرحمة والمغفرة .
نريد ان يحاسب المواطن نفسه قليلا على الهدر والانفاق غير المبرر في رمضان، وان يستجيب لواقعه الاقتصادي بدل الانقضاض عليه باللوم والاستدانة والانتقال الى خانة الغضب وتنفيسه في جاره او قريبه او في الشارع وعلى المارة من حافلات ومواطنين، نريد ان نبدأ في ضبط نفاقتنا حتى لا نتفاجأ بأن العيد قادم ويحتاج الى نفقات اضافية وتاليا المدارس ونفقاتها، علينا ان نتعلم ترتيب اولوبياتنا ووضع موازنات للمنازل حتى لا تصعقنا المناسبات وترفها السخيف .
فريضة الصوم مفروضة منذ قرون وليست مفروضة منذ سنوات قليلة كما تُطالعنا البرامج الدينية المكرورة كل عام، وبالتالي علينا ان نتعامل مع شهر الصوم بما يليق به من كرامة وطهارة واحساس بالاخرين بأن نبدأ بالاحساس بأنفسنا اولا وان نضبط مصروفنا ومائدة افطارنا .
نريد صياما خالصا لوجه الله دون تحميل الاخرين وزر صيامنا فهي فريضة اختص الله بها نفسه واختص بنفسه اجرها، نريد شهرا خاليا من العنف ومن النرفزة ومن الضحايا في المشاجرات وعلى الطرقات قبيل الافطار، نريد المغفرة فيما بيننا والرحمة بيننا حتى يعتقنا الله من نيران جهنم ومن نيران الاقليم المجاور .
مع صباح هذا اليوم فلنعاهد انفسنا على الصبر واحتمال الاذى واحتمال الظرف الصعب، ولنمنح الاخرين هدنة او عطوة مهما بلغت درجة نرفزتهم، فتجاوز الثواني الاولى لاي غضب كفيل بإطفاء اشتعالاته واطفاء شرره والشر من شرارة، ولنعاهد انفسنا على استمرار التراحم وفضيلة الجيرة واحترام الاخرين .
نريد هدنة اجتماعية كي نفرح بشهر عظيم وكي نستقبل عيدا بهيجا دون ضحايا ودون احقاد لمجرد غضبة عاجلة يمكن امتصاصها باستغفار الله لثانية والقول “ اللهم اني صائم “، لا نريد شهرا قاسيا اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وقوميا، نريد هدنة او عطوة لمدة شهر وليس اكثر .
الدستور

