مهاتير محمد والوصفة الماليزية للنمو الاقتصادي
لست خبيرا اقتصاديا كي أخوض عميقا في هذا الموضوع الاقتصادي ، ولكن غياب الاقتصاديين عن الساحة حفزني للكتابة حوله من ناحية عامة ، لما له من أهمية في حياتنا اليومية فضلا عن انعكاساته الكبيرة على مستقبل الدولة . وقد سبق لي أن كتبت مقالتين في هذا المجال نشرتا على صفحة هذا الموقع المحترم قبل بضعة أسابيع .
كانت الأولى عن النهضة الاقتصادية في كوريا الجنوبية ، إذ بينت خلالها كيف تمردت تلك الدولة على الفقر والتخلف ، وتحولت إلى دولة صناعية متقدمة خلال عقدين من الزمن . وكانت الثانية عن التقدم الاقتصادي في اليابان ، أوضحت فيها كيف نهضت تلك الدولة المنكوبة من تحت الركام ، بعد أن تعرضت للقصف بالقنابل الذرية الأمريكية في نهاية الحرب العالمية الثانية ، فحققت معجزة اقتصادية عالمية خلال فترة مماثلة من الزمن .
وسأكتب اليوم عن مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا الأسبق ، الذي قاد بلاده من التخلف إلى التقدم ، مقتديا بما حققته اليابان وكوريا الجنوبية من نهضة اقتصادية شكلت نموذجا لمختلف دول العالم . وهدفي من هذه المقالات هو تحفيز أصحاب القرار في دولتنا الموقّرة على اليقظة ، لعلهم يصابون بالعدوى من تلك الدول التي نهضت من العدم ، وأصبحت في طليعة الدول الصناعية المتقدمة . وإن قُدّر لهم أن يفعلوا ذلك فإنهم سينتشلوننا من الفقر والمديونية الضخمة ، التي أصبحت تشكل كابوسا يقلق حتى الأطفال الأردنيين ، ولكن يتجاهلها الاقتصاديون ولا تحرك ساكنا لدى المسؤولين .
من المعروف أن الاقتصاد يلعب دورا حاسما في تطور الشعب وتحديد مستقبله ، كما يسهم في تطور البيئة الاجتماعية والسياسية في الدولة . وعندما يعم الرخاء الاقتصادي في المجتمع ، تتنوع خيارات مواطنيه وتمنحه فرصة التمتع بحياة كريمة ، فتنسحب بالتالي على استقرار الأمن في البلاد .
إن عالم اليوم لا يحترم إلا الدولة القوية ليس عسكريا فحسب بل اقتصاديا كذلك . فإذا كانت القوة العسكرية ضرورية لحماية كيان الدولة ، فإن القوة الاقتصادية ضرورية أيضا للحفاظ على سيادتها وقرارها المستقل . والدولة التي تعتمد في سد احتياجاتها على دول خارجية ، تفقد إرادتها في ممارسة خياراتها الوطنية ، لأن الدولة التي تملك إرادتها الحرة ، تربأ بأن تكون عالةً على غيرها تستجدي المعونات .
في تصريح لرئيس الوزراء الأسبق دولة السد طاهر المصري عام 1998 حول هذا الموضوع قال ما يلي : ” إن الاقتصاد أصبح محور حياة الشعوب والأمم والدول ، واستُبدلت الأدوات السياسية والعسكرية بالمال ، وأصبح الاقتصاد يقوم مقام المدفع ، بل أصبح المدفع في خدمة الاقتصاد , ويرتبط الاقتصاد ارتباطا وثيقا بالأهمية السياسية لأية دولة أو مجموعة من الدول ، وبوزنها وثقلها السياسي والعلمي في هذا العالم ” .
إن مقياس التقدم في أي دولة يعتمد على ما تنتجه وتقدمه لشعبها وللشعوب الأخرى في العالم . ولهذا فقد اعتمدت الدول المتقدمة في نهضتها الاقتصادية على ثروتها البشرية ، فوجهت استثماراتها نحو تنمية تلك الثروة علميا وعمليا لرفع قدرتها الإنتاجية . أما هنا في الأردن فقد أطلقنا قبل بضعة عقود شعار ” الإنسان أغلى ما نملك ” باعتباره محور العملية التنموية . ولكننا في الواقع لم نعمل على تأهيله ولم نستثمره بصورة صحيحة ، وحوّلنا هذا الشعار إلى نقيضه تماما ، بفعل السياسات الاقتصادية الخرقاء التي وعدت بتحويل الرمال ذهبا وكان حليفها الفشل .
ومن هذا المنطلق أود أن أستعرض الوصفة التنموية الماليزية ، كما وردت في خطاب رئيس وزرائها الأسبق السيد مهاتير محمد ، الذي ألقاه في مؤتمر جدة الاقتصادي عام 2004 موضحا رؤيته للنمو الاقتصادي في بلاده ، حيث قال في مطلع خطابه :
” لا أعلم إذا ما كان لدى ماليزيا وصفة خاصة للنمو ، ولكن لدينا طموحا كبيرا لأن نصبح دولة متقدمة جدا مع حلول عام 2020 م ، وأن نعمل بجدية شديدة لتحقيق هذا الهدف . لن يهبط ذلك التقدم علينا ونحن مكتوفو الأيدي ، ولا يمكن كذلك أن نتحفظ ونتوقع أن تسير الأمور كما نتمناها . ولكن ــ وبغض النظر عن مدى حرصنا ودقتنا في التخطيط ــ فقد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن . سوف تكون هناك عقبات غير متوقعة وهذه إرادة الله ، ولكن الله قد وهبنا أيضا قدرة على التفكير والتنفيذ والتعامل كي نتخطى عقبات الطريق ، فلا نقول فقط أنه قدرنا ولا يوجد شيء نستطيع ان نفعله . إنني لا أحاول أن أعطي موعظة ولكن العقيدة والإيمان اللذين يعتنقهما الإنسان مهمان لنجاح أو فشل ما يحاول تحقيقه ” . انتهى الاقتباس .
ففي بداية عهد الاستقلال عام 1957 كانت ماليزيا تعاني من الفقر والبطالة المرتفعة يصاحبها زيادة في عدد السكان . ورغم توفر قطاعات المطاط ومناجم القصدير وزيت النخيل ، إلا أنها كانت توفر فرص عمل محدودة ولا تحل مشكلة البطالة . وقد علق مهاتير على هذا الوضع في حينه قائلا : ” بغير توفر فرص العمل للشعب يصبح الاستقلال لا معنى له وتغزو المشاكل الاجتماعية الدولة . ولهذا فكرنا بالتصنيع الذي يمكن أن يخلق عملا كافيا للشعب ” .
ولترجمة أفكاره عمليا اتّبع مهاتير سياسة ” النظر شرقا ” من أجل تعلم التنمية الاقتصادية من دول شرق آسيا ، التي دُمّر اقتصادها في الحرب العالمية الثانية ، ولكنها سرعان ما تعافت وتمكنت من اللحاق بالدول الصناعية المتقدمة في أقل من عشرين عاما . ثم رفع مهاتير شعار ” ماليزيا بوليه ” أي أن ماليزيا والماليزيون يستطيعون فعل أي شيء يفعله الآخرون . وهذا ما شجع الماليزيين على مواجهة التحديات سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الأمة والتحول من اقتصاد زراعي متخلف إلى اقتصاد صناعي متقدم بتصميم وثقة كبيرتين .
ونظرا لعدم امتلاك الماليزيين المعرفة بالتصنيع والأسواق إضافة لعدم توفر رأس المال ، كان عليهم الاستعانة بالاستثمار الأجنبي ، مع التوجس من امكانية سيطرتهم على البلاد . كان الاتجاه السائد للدول حديثة الاستقلال في ذلك الوقت هو تأميم الشركات الأجنبية . ولكن مهاتير لم يكن متأكدا من قدرة الدولة على القيام بالمهمة على الوجه الأكمل إذا أممت الشركات وتولت إدارتها بنفسها ، مما ينفّر المستثمرين الأجانب ويمنعهم من القدوم إلى البلاد . ولمواجهة ذلك وضع شروطا لحفظ سيادة البلاد ، وخصص حوافز تساعد على خلق بيئة صديقة للاستثمار ، ثم حدْ من صلاحيات الملك في التدخل بشؤون الدولة .
كان مستوى الأجور في ماليزيا يقل كثيرا عن نظيره في الدول الصناعية الأوروبية . وكان العمال الماليزيون يستوعبون التدريب بسهولة ، كما يقدرون أهمية السلام لتشجيع الاستثمار وخلق فرص عمل جديدة . ولتوفير نوع مناسب من العمال خصصت الحكومة 20 % من الميزانية الوطنية للتعليم والتدريب ، وأعلنت اللغة الإنجليزية لغة ثانية في البلاد إلى جانب لغة الملايو الرسمية ، لكي يتلقى العمال الإرشادات من المدراء والمشرفين الأجانب بسهولة .
في أواخر السبعينات كانت نسبة الفقر في ماليزيا 57 % ولكنها أصبحت في عام 2004 أقل من 5 % . وكان معدل دخل الفرد الماليزي عند تولي مهاتير مقاليد الحكم في عام 1981 لا يتجاوز 300 دولار سنويا . وعندما غادر المنصب طوعا عام 2003 بعد خدمة 22 سنة متواصلة ، وصل دخل الفرد الماليزي إلى 16000 دولار سنويا .
لقد صُمّمت الخطط الاقتصادية بحيث تحافظ على تكلفة المعيشة بشكل منخفض تؤدي إلى قوة شرائية أكبر . وبالرغم من كون التحكم في الاسعار يتم اللجوء إليه أيام الحرب لتخفيف التضخم ، إلا أن ماليزيا استمرت في التحكم بأسعار السلع الضرورية حتى في أيام السلم ، لتجنب استغلال المواطنين من قبل التجار . وهكذا أصبح الماليزيون قادرين على الحياة في مستوى معيشة مرتفع ، رغم ما يبدو من انخفاض دخولهم .
وُضعت الخطط الاقتصادية على ثلاثة مستويات ، قصيرة المدى لمدة سنة ، ومتوسطة المدى لمدة خمس سنوات ، وطويلة المدى لمدة ثلاثين سنة . ويتم مراقبة تطبيقها بصورة مستمرة من قبل الوزراء ، إضافة لمكتب ” مراقبة التطبيق ” الذي يقدم تقاريره عن سير العمل اسبوعيا إلى مجلس الوزراء . وقد تم التأكيد في هذه الخطط على نقل التكنولوجيا وتعلم الإدارة من المستثمرين الأجانب ، وأصبح الماليزيون قادرين على تصنيع كل شيء تقريبا بما فيه الإلكترونيات والسيارات .
لقد تعلمت ماليزيا من اليابان وكوريا الجنوبية وغيرهما من الدول المتقدمة ، أن مفتاح التنمية الاقتصادية هو التقيد ” بأخلاقيات العمل ” والذي يشمل الانضباط في موقع العمل ، واحترام الوقت من قبل الجميع : الحكومة والقطاع الخاص والعمال . كما تعلمت ماليزيا دروسا أخرى من الدول السابقة تتمثل في التعاون الوطيد بين الحكومة والقطاع الخاص ، محاربة البيروقراطية ، تعديل السياسات والقوانين النافذة لتسهيل أعمال المستثمرين ، وإدامة الحوار بين الحكومة ومجتمع الأعمال ، بحيث تتمكن الحكومة تصحيح الأوضاع الخاطئة من خلال التغذية الراجعة .
وفي الختام أود توجيه الأسئلة التالية إلى اصحاب القرار إن كانوا يقرأون أو يسمعون : لماذا لا تقتدي حكوماتنا – غير الرشيدة – بتلك الدول التي نهضت باقتصادها من العدم ، وأصبحت في طليعة الدول الصناعية المتقدمة رغم افتقارها أساسا لمصادر الثروة ؟ لماذا لا تضع الحكومة خطة تقشفية حقيقية لانتشالنا من الغرق في المديونية العالية التي تتضخم يوما بعد يوم ؟ لماذا لا تسيطر الحكومة على الأسعار المنفلتة في الأسواق من قبل التجار الجشعين ؟ لماذا لا تستفيد الحكومات المتعاقبة من التجارب الناجحة لدول جنوب شرقي آسيا وتغير أسلوبها العقيم ، في فرض الضرائب المتلاحقة على المواطنين ؟ ثم لماذا لا تحاسب الفاسدين وتسترد الأموال المنهوبة ؟
إننا لا نطلب من المخططين العباقرة في حكومتنا ( الطاهرة ) ، إجهاد عقولهم المجمّدة في استنباط أساليب جديدة تطور التنمية الاقتصادية وتحسن دخل المواطن الأردني . بل نطلب منهم أن يقتدوا بماليزيا وأن ” ينظروا شرقا ” ثم يرفعوا شعار ” أردن بوليه ” لعلّهم يغيرون واقعنا الاقتصادي البائس الذي نعيشه منذ عقود . نطلب من حكومتنا الحالية ذات ” الطاقم النشيط والنزيه ” كما وصفها دولة الرئيس عبد الله النسور ، بأن تنسخ التجارب الاقتصادية الناجحة ممن سبقونا في رفعة بلادهم ، وتطبق ما يلائمنا منها بإخلاص وبنيّة صادقة ، لتنقلنا من مجتمع زراعي متخلف ، إلى مجتمع صناعي متقدم ، بعيدا عن التنظير والتصريحات الفارغة . . !
المرجع : خطابات مهاتير محمد ترجمة عمر الرفاعي ومقالات لكتاب آخرين .

