كان ياما كان، ويحدث الآن
كان ياما كان، رجل ثرثار، أطلق لسانه اللاذع بحق السلطان قدحا وذما وسخرية، مما أثار غضب السلطان وأمر بإحضاره، وحين حضر أمر بقطع رأسه، ولحيلة هذا الثرثار، اقترب من السلطان بحزن وانكسار، واخبره انه لا يحزن لموته فقد شبع من الدنيا ومل الحياة، ولكنه حزين لأجل أمرٍ أهمه أن يفارق الحياة دون إتمامه، فثار فضول السلطان، وسأله عنه، فقال، هو حماري يا مولاي السلطان، يختلف عن كل ما سواه من (حمير)، فقد بدا لي أنه بدأ يتعلم لغتنا ويتكلم لساننا، فأخذت بتعليمه حتى يتقن الكلام، ولا زلت أمارس تعليمه وتلقينه الكلام، فتحول اهتمام السلطان إلى الحمار بين إنكار واستغراب وتفكير بمنح الثرثار فرصة ستة أشهر لإتمام مهمته حسب طلبه، وفعلا كان له ما أراد، وحين خرج وقد فاز بفرصة ستة أشهر سأله بعض القوم هل سيتكلم حمارك، قال لهم ما أشد غباءكم، ويا لكم من حمقي، وهل يتكلم الحمار ولو قضى دهرا في التعليم، إنما هي حيلة تنقذ رأسي، فربما مات السلطان قبل انقضائها وربما مت أنا أو مات الحمار، المهم أنني ما زلت أحتفظ برأسي.
ويحدث الآن الثرثار الأمريكي الأسود أوباما، جاء على جناح الريح المحملة بلقاح التغيير والاختلاف والمسؤولية، يخدر إحساس الناس بالشعاراتية، والخطابات، ولم يصنع شيئا، ولم يلتزم بأية مسؤولية إنسانية أو أخلاقية، وما زال يردد ذات العبارات بقوالب مختلفة، وصياغات جديدة، كي يعلم العالم الالتزام الأخلاقي تجاه قضايا الإنسان والشعوب، وسنصدق ذلك بمحض إرادتنا، مثلما صدقناه بسذاجة حين أعلن – وهو واسع الحيلة اللغوية – ( أن علينا جلب الحرب إلى نهاية مسؤولة، لتجديد القيادة العسكرية والدبلوماسية والأخلاقية )، فأي جلبٍ تحقق لنهايات الحروب المسؤولة..؟
جاء أوباما مدافعاً عن فكر التحول ( من القوة والحرب إلى المسؤولية الأخلاقية والقيم الإنسانية )، مستحضراً مجد فرانكلين روزفلت في دفاعه ضد الفاشية، وهاري ترومان في صموده ضد الاتحاد السوفيتي، لكنه استحضار بليد مغطى بطبقة سميكة من الثرثرة والمخادعة، لم تتحول الفكرة من الحرب والقوة إلى الأخلاق والقيم، بل تحول الثرثار إلى كومة من الثرثارين، المجهزين بديناميكية لاختراع الكلام وتدوير الوعود للشعوب المغلوبة على أمرها.. نعم، نحن مغلوبون على أمرنا، والمغالبة معنا ذات جدوى، نحن شعوب لا شورى لنا، ( إن كلَّ زيد امتطانا زياد )
كاتب أردني مقيم في البحرين

