على هامش الزيارات الملكية للمتقاعدين العسكريين
انتهج جلالة الملك عبد الله الثاني خلال الأعوام الثلاث الأخيرة اسلوب الزيارات القصيرة لمجموعات محدودة من المتقاعدين العسكريين تختارها جهة معينة في الديوان الملكي . ولجلالته الحق بالزيارة أو الاجتماع بأي مجموعة من أبناء الوطن ، سواء كانت من المتقاعدين العسكريين أو من أطياف الشعب الأردني الكريم ، لتدارس القضايا الهامة وانعكاس نتائجها على الوطن وأبنائه .
بلغ عدد تلك الزيارات لزملائنا من المتقاعدين العسكريين ، سبع زيارات على الأقل جرت في أوقات مختلفة . وصدر بعد آخر زيارة منها تصريح إعلاميى أوضح : ” بأن جلالته شدد على حرصه الدائم في التواصل مع هذه الفئة العزيزة من أبناء الوطن الغالي والاستماع إلى آرائهم حول مختلف القضايا الوطنية في الشأن المحلي والقضايا الخاصة بالمتقاعدين العسكريين ، إضافة لآخر المستجدات في الأوضاع الإقليمية وموقف الأردن منها . وأوعز جلالته بجمع الأفكار المرتبطة بالخطط والمشاريع التنموية ليصار إلى تنفيذ الممكن منها من قبل الحكومة ” .
وهذا كلام إنشائي جميل صدر مثله في الاجتماعات السابقة ، ولكن لم يظهر له أي أثر عملي على أرض الواقع . فكانت تلك الاجتماعات عبارة عن زيارات بروتوكولية لأشخاص حددهم الديوان الملكي ، نحترمهم جميعا ولا نقلل من قدرهم . ولكي لا يتهمني بعض المتنطعين بأن لي غايات شخصية من كتابة هذه المقالة ، أقول بأنني أفضل عقد اجتماعات لنخبة من المتقاعدين العسكريين ممن يحملون رأيا وفكرا وطنيا ويمثلون مختلف شرائح المتقاعدين ، ليعملوا على صياغة مطالب وقضايا المتقاعدين الخاصة والعامة ، ثم يجري بحثها في جلسة علمية مع جلالته ، تُطرح بها تلك القضايا والمقترحات بمنتهى الصراحة والشفافية ، كي يجري التصدي لها وحل الممكن منها حسب خطة مدروسة .
وعند التدقيق في حيثيات تلك الاجتماعات أقول : إذا كان القصد منها خدمة الملك والمتقاعدين العسكريين وتوثيق العلاقة بينهما ، فعلينا أن نتحدث بصراحة ، ونعلن بأن منظميها قد فشلوا في تحقيق الغاية المرجوة منها للأسباب التالية :
1. لم تعتمد الجهة المنظمة للاجتماعات مبدأ مقنعا للمتقاعدين العسكريين في كيفية اختيار المدعوين الذين سيمثلونهم ويحققون الهدف من الزيارات الملكية .
2. خلقت هذه الزيارات انقسامات وحساسيات بين المتقاعدين العسكريين أنفسهم ، لأنها أوحت للمراقبين بأن هناك صنفان من المتقاعدين حسب رؤية منظميها : الصنف الأول وهم الموالون ، الذين شاركوا بتلك الاجتماعات مع الملك ، علما بأن اختيارهم جرى برؤى شخصية أو نكاية بأشخاص آخرين . والصنف الثاني هم غير الموالين والذين لم تشملهم تلك الاجتماعات .
3. لا تتم التهيئة لهذه الاجتماعات وتحضير أجندة عمل متفق عليها ، تطرح القضايا ذات الاهتمام المشترك التي سيجري بحثها في الاجتماعات ، بل توجه الدعوات للأشخاص المحددين لتناول طعام الغداء بمعية جلالته في منزل أحدهم ، دون الإشارة لمواضيع البحث ودون تفاهم مسبق بينهم لما سيجري طرحه .
إذا كان القصد الحقيقي من هذه الاجتماعات هو خدمة المتقاعدين العسكريين ، والاستماع إلى وجهات نظرهم في مختلف القضايا وليس للمظاهر الإعلامية ، فإن مطالبهم واضحة ولا تحتاج إلى زيارات بروتوكولية ، إذ يمكن تصنيفها إلى صنفين : الأول يتعلق بقضاياهم الخاصة ، والثاني يتعداه إلى قضايا الوطن ، وفيما يلي توضيح لذلك :
1. القضايا الخاصة . وتشمل النواحي التالية :
أ . حفظ كرامة المتقاعدين العسكريين من خلال تأمين سبل العيش الكريم لهم ومساواة رواتبهم التقاعدية بزملائهم المتقاعدين حديثا ، لكونهم يعيشون في ظروف اجتماعية واحدة مثقلة بالاحتياجات الحياتية اليومية . ومن الضروري عند إجراء أي تعديل على رواتب العاملين كما حدث في الأيام القليلة الماضية ، أن تشمل المتقاعدين القدامى بها لكونهم السابقون في خدمة الوطن.
ب. إعادة هيكلة مؤسسة المتقاعدين بحيث تتمتع باستقلالية تامة وتؤدي عملها حسب أسلوب الشركات وانتخاب مجلس إدارتها من قبل المتقاعدين أنفسهم ، بحيث تتوجه لإقامة مشاريع تنموية تعود بالنفع على منتسبيها ، والبحث عن فرص عمل لهم في الداخل والخارج .
ج. توفير الخدمة الطبية والعلاجات الكافية للعسكريين وعائلاتهم في المؤسسات الطبية العسكرية بصورة أفضل مما هو عليه حاليا ، والحد من معالجة المدنيين التي أصبحت تجهد تلك المؤسسات على حساب العناية بالمرضى العسكريين ، التي وجدت أساسا من أجلهم .
2. قضايا الوطن . وحيث أن المتقاعدين العسكريين يشكلون جزءا من هذا المجتمع ولهم حقوق المواطنة وعليهم واجباتها ، فإنهم يشاركون إخوانهم المواطنين في همومهم وطموحاتهم العامة ، للحفاظ على كيان الأردن وتطوره إلى الأفضل . ومن أهم تلك الطموحات :
أ. الحفاظ على مؤسسات الوطن وموارده من عمليات البيع والنهب والاستغلال لاسيما وانهم قدموا تضحيات جليلة من أجلها في العقود الماضية .
ب. التمسك بالهوية الأردنية ووقف عمليات التجنيس ، والمساعدة في إبراز الهوية الفلسطينية لإبقاء قضيتهم حية في الأذهان والحفاظ على حق العودة ، وتجنب المساهمة في تهويد الأراضي الفلسطينية.
ج. إعادة هيكلة الرواتب في جميع قطاعات الدولة والشركات الرسمية وسلطة إقليم العقبة ، بحيث تتحقق العدالة والمساواة بين جميع الموظفين في مختلف مواقعهم ، على أن لا يزيد راتب الموظف في أحسن الحالات عن راتب رئيس الوزراء .
د. مكافحة الفساد والترهل والرشوة في مختلف مفاصل الدولة إضافة لإعطاء اهتمام خاص في مكافحة المخدرات وسرقة السيارات والمياه والكهرباء .
هـ. استغلال الثروات الوطنية المتوفرة في الأردن بصورة سليمة تؤدي إلى رفد الخزينة بالأموال اللازمة ، وتخفيض المديونية .
و. ضبط الأسعار في الأسواق المحلية والمحافظة على سلامة الغذاء ، وترشيد الاستهلاك الحكومي في مختلف المجالات .
ز. تشكيل حكومة إنقاذ وطني تسعى لإصلاحات حقيقية ، تشمل : قانون الانتخاب ، مراجعة الدستور ، معالجة الفقر والبطالة ، استعادة ثروات الأردن المنهوبة ، تخفيف الضرائب على المواطنين ، وضع الرجل المناسب في المكان المناسب ، إقامة دولة المؤسسات ، وتطبيق قانون من أين لك هذا ؟
هذه مطالب المتقاعدين العسكريين على الصعيدين الشخصي والوطني ، وهي مطالب واضحة ومشروعة ولا يكتنفها الغموض . وعلى بطانة الملك التوقف عن عقد مثل هذه الاجتماعات ، التي تسيء للكثيرين وتبعث الحقد في النفوس . وبدلا من ذلك عليها إن كانت ترغب بتعزيز العلاقة بين جلالته وإخوانه المتقاعدين العسكريين ، أن تتوجه لمعالجة المعاضل القائمة مباشرة دون مناورات جانبية ، تبدد الوقت وتطلق وعودا مصيرها الإهمال .

