بهجة كأس العالم مهددة في عصـر البزنس
منذ عقود عديدة يستمتع سكان المعمورة كافة بمتابعة بطولة كأس العالم، ولكن في البطولة العشرين التي ستنطلق اليوم في البرازيل توجد العديد من الغيوم التي قد تحجب البهجة الحقيقية وتستبدلها بسيادة منطق البزنس والأرباح والفساد وسوء الإدارة على حساب جماليات الكرة.
لا تزال كرة القدم -كأس العالم بالذات- تمتلك الكثير من العناصر المثيرة التي تجعلها من أهم الأحداث العفوية التي تقدم دراما وتراجيديا غير مسبوقة كما أنها بقيت لسنوات طويلة ساحة من العدالة يتنافس فيها لاعبو الفرق الصغيرة مع الكبيرة وتتمكن الفرق الصغيرة من تحقيق الكثير من المفاجآت. بالإضافة إلى ذلك تبقى كأس العالم واحدة من الساحات القليلة في العالم التي لا تخضع لهيمنة الولايات المتحدة ويبقى فريقها واحدا من المنتخبات العادية التي تشارك وتخرج من البطولة بدون التأثير على النتيجة النهائية.
في البطولة الحالية الكثير من علامات الاستفهام التي قد تجعلها تفقد مزايا عديدة رافقت البطولات السابقة. المشكلة الرئيسة الأولى هي سطوة البزنس والأرباح على حق الناس في متعة المشاهدة خاصة في منطقة الشرق الأوسط حيث اصبحت كلفة متابعة البطولة باهظة جدا وتتجاوز في معظم الدول أحيانا المعدل الشهري لدخل الفرد. فئة قليلة هي التي تمتلك القدرة المالية للاشتراك بمشاهدة البطولة وفئة أخرى اضطرت لتحويل مخصصات لاحتياجات أساسية من أجل تغطية كلفة الاشتراك بينما يحاول الكثيرون الوصول إلى مشاهدة غير مضمونة عبر الإنترنت بينما ستصبح المقاهي المنتشرة في كافة الدول العربية الملتقى المفضل للشباب لمتابعة مباريات فرقهم المفضلة على الأقل.
في البرازيل التي ستستضيف البطولة لم تعد كرة القدم هي الرابط الذي يجمع البرازيليين كافة على عشقها لأن المصاريف الباهظة التي تكبدتها الحكومة البرازيلية لبناء المنشآت الرياضية والملاعب والخدمات المختلفة جاءت على حساب حقوق التعليم والصحة والنقل والطاقة للمواطنين البرازيليين. الاحتجاجات الكبيرة التي انتشرت في المدن البرازيلية منذ العام الماضي تمثل حركة شعبية اجتماعية غير مسيسة ولا حزبية ولكنها تعكس غضبا كبيرا خاصة من الطبقة الوسطى على إنهاك الموازنة العامة خدمة للاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا” والذي سيحصل على كافة المكاسب المالية.
الفيفا بحد ذاته أصبح من أكبر وأغنى المؤسسات في العالم لكنه أيضا من أكثرها فسادا وأقلها شفافية، وقد استخدم كأس العالم لجنى البلايين من الأرباح من حقوق البث والترويج دون تقديم تطور حقيقي على مستوى كرة القدم. أصبحت المنتخبات واللاعبون والاتحادات المحلية والحكومات أيضا أدوات لتضخيم مكاسب “الفيفا” التي تستخدم بطرق غير موثوقة وأحيانا بطرق فاسدة وتهدف لشراء الضمائر والولاء وهذا ما أثر بشكل كبير في سمعة كأس العالم.
بالرغم من كل تلك التحديات فإن المتعة مضمونة لمن يتمكن من مشاهدتها، وستمثل كأس العالم -ولو لمدة شهر واحد- نقطة استقطاب لسكان العالم تختلف عن الأخبار المروعة التي تجتاح المعمورة، وتعطي نوعا من الشحن الإيجابي والشعور المؤقت بانتماء الناس جميعا لرياضة واحدة يتشاركون بمحبتها على اختلاف القارات والدول والأديان والأعراق والمذاهب السياسية، وأن كانت القدرة المالية هي العنصر الوحيد الذي يفرّق بينهم!
الدستور

