صحيفة الكترونية اردنية شاملة

النهضة اليابانية من تحت الركام

0

تتكون اليابان من أربعة آلاف جزيرة تشكل بمجموعها أرخبيلا طوله ثلاثة آلاف كيلو متر ، يمتد من الشمال إلى الجنوب في شرق القارة الآسيوية . وتبلغ مساحتها الكلية حوالي 380 ألف كيلومتر مربع ، ويصل عدد سكانها إلى 130 مليون نسمة تقريبا . وقد كانت على مدى العصور القديمة بلادا غامضة ومنعزلة عن العالم الخارجي لاسيما وأنها لا ترتبط مع البر الرئيسي لآسيا برابط أرضي .
وفي عام 1854 وقعت اتفاقية للتبادل الدبلوماسي مع الولايات المتحدة . ثم تبعها في غضون خمسة أعوام توقيع عدة اتفاقيات مشابهة مع باقي الدول الغربية . تحولت اليابان فيما بعد إلى دولة استعمارية تسعى إلى التوسع بفضل قوتها العسكرية ، وتمكنت من السيطرة على أجزاء كبيرة من جنوب شرق آسيا وأجزاء كبيرة من الصين ، وأصبحت القوة المسيطرة في منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ ، مما دفع بعجلتها الاقتصادية إلى الأمام بسرعة فائقة ، وتحولت إلى امبراطورية عظمى .
خلال الحرب العالمية الثانية وعلى إثر هجومها المدمر على الأسطول الأمريكي في بيرل هاربر ، قُصفت المدن اليابانية بسلاح الجو الأمريكي ثم وضُربت بالقنابل الذرية ، مما أدى إلى استسلامها دون قيد أو شرط وإجبارها على توقيع اتفاقية بوتسدام في 2 أيلول عام 1945 وحل جيشها المؤلف من خمسة ملايين جندي . ولكنها رغم ذلك نهضت من تحت الركام وحققت نهضة اقتصادية عظيمة ، وتحررت من الهيمنة الأجنبية خلال عقدين من الزمان . فكيف حدثت تلك المعجزة ، وما هي الوسائل التي جعلت الشعب الياباني يحقق تلك النهضة الاقتصادية العظيمة ، ويحرر بلاده من الهيمنة الأجنبية خلال وقت قصير ؟
أجاب السفير الأمريكي ” أدوين أشاور ” على هذه الأسئلة بقوله : ” إن سر هذه النهضة يمكن تلخيصه في سببين . الأول هو إرادة الانتقام من تاريخ تحدى أمة هزمت وأهينت ، فردت على الهزيمة بهذا النهوض العظيم. والثاني هو بناء الإنسان نتيجة لنظام التعليم والثقافة اليابانية . وفيما يلي استعراض موجز لتطور تلك النهضة ، لعلها تثير فينا الاحساس الوطني والاقتداء بتلك الدولة التي ثأرت لكرامتها وسارت في طريق الرقي والتقدم حتى وصلت إلى القمة .
فبعد الكارثة الرهيبة التي حلت بالإمبراطورية اليابانية ، فقد السياسيون وكثير من الناس الأمل بقدرتها في الوقوف على قدميها نظرا لما حل بها من دمار هائل وخسائر بشرية تحولت بنتيجتها إلى دولة مهزومة متخلفة . لكن العزيمة والإرادة اللتان كانتا تعمران قلوب اليابانيين ، أقنعتهم بأن طريق النهضة لا تكمن في التوسع باستخدام القوة العسكرية ، بل أنها تكمن في الإنسان الياباني نفسه داخل حدود بلاده .
اهتمت الولايات المتحدة الأمريكية بالنمو الاقتصادي في اليابان وقدمت لها المساعدات الاقتصادية ، خشية أن يتحول الشعب الياباني الفقير إلى الاتحاد السوفياتي وتمكينه من السيطرة على المحيط الهادئ . ولكن اليابانيون لم يركنوا إلى ذلك ، بل اعتمدوا على أنفسهم في الاستثمار بالإنسان الياباني لبناء نهضتهم الاقتصادية ، وتكريس التعاون بين البنوك والمصنعين والموردين والموزعين كمجموعات متكاملة .
ساهمت الحكومة اليابانية بعد الحرب بدفع النمو الاقتصادي في القطاع الخاص ، من خلال سن قوانين وتشريعات خاصة حمت الانتاج المحلي ، ثم ركزت على التوسع التجاري في وقت لاحق . وفي هذا السياق فقد اتبع رئيس الوزراء ” هاياتو إكيدا ” الذي لُقّب ــ بمهندس المعجزة الاقتصادية ــ سياسة الصناعات الثقيلة ، وتوجيه القروض إلى تجمع الشركات ” كريستو ” ووجه 83 % من تمويلات بنك التنمية الياباني إلى الصناعات الاستراتيجية مثل : بناء السفن وإنتاج الطاقة الكهربائية والفحم الحجري والصلب . وأصدر تعليماته لمكافحة الاحتكار ومنع الشركات الأجنبية من الدخول إلى الصناعات اليابانية .
لقد ارتكزت النهضة الاقتصادية اليابانية على محاور عديدة من أهمها ما يلي :
1. الإدارة اليابانية . وهي من أبرز عوامل النهضة التي أعقبت الهزيمة ، لكونها تُعنى بتطبيق المبادئ الإدارية الحديثة والتي من أهمها : إدارة الجودة ، الابتكار والتطور ، إتقان العمل الإداري وتحويله إلى قيمة اجتماعية مرتبطة بالثقافة اليابانية ، وعمل الفريق بحيث تحدد مهمته بشكل واضح ، ويحدد الوقت اللازم لانجازها بشكل دقيق .
2. الشخصية اليابانية . نظرا لعدم توفر مصادر الثروة الطبيعية في اليابان بموقعها الجغرافي النائي في العالم ، كان العنصر البشري هو عماد التنمية وركيزته الأساسية في النهضة الحديثة . لهذا فإن الاستثمار في العنصر البشري يأتي على رأس أولويات الخطط التنموية . ومما عزز ذلك مميزات الشخصية اليابانية المنضبطة التي تقدس الوقت ، وتحترم النظام ، وتبدع ضمن عمل الفريق ، كما تلتزم بأخلاقيات العمل وأمانته .
3. المعلّم الياباني . يؤمن اليابانيون بأن العلم والعمل الجاد هو السبيل إلى الرقي والتقدم ، وقد تم التركيز في هذا المجال على دعامتين أساسيتين هما : المعلم وأسلوب التعليم :
أ‌. فالمعلم يحظى بالاهتمام والتقدير من قبل المواطنين ويحتل مكانة مرموقة في المجتمع . ويلاحظ ذلك من خلال النظرة الاجتماعية له ، والمرتبات المغرية التي توفر له حياة كريمة ومستقرة . ورغم أن معظم المعلمين من خريجي الجامعات ، لكنهم لا يحصلون على هذه الوظيفة إلا بعد اجتياز اختبارات قبول تحريرية وشفوية شاقة . وتؤكد الأساليب التعليمية على الارتباط الوثيق بين المعلم وطلابه ، حيث يقوم بزيارات دورية إلى منازلهم للاطمئنان على جوهم الدراسي من أجل التكامل بين المنزل والمدرسة .
ب‌. وبالنسبة لأسلوب التعليم ، فيتم المزج بين النظام المركزي والنظام اللا مركزي ، فالأول يوفر المساواة في نوعية التعليم لمختلف فئات الشعب على مستوى الدولة . وبذلك يتم تزويد الأطفال بأساس معرفي موحد ، إذ تحدد وزارة التعليم الإطار العام للمقررات الدراسية في كافة المواد ، وتبين محتواها وعدد ساعات التدريس اللازمة لكل منها . ويعتبر مجلس التعليم في كل مقاطعة مسئولا عن إدارة وتنفيذ سياسة التعليم فيها . ومما تجدر الإشارة إليه أنه يجري التركيز في العملية التعليمية على نبذ الأساليب التلقينية ، وعدم الطلب من الدارسين حفظ معلومات تُنسى في وقت قريب . وبدلا من ذلك يجري التركيز على تنمية رغبة التعلم ، وتطوير القدرة على البحث والدراسة وتنمية الابداع والابتكار .
نفذت الحكومة اليابانية في ظل قيادة إيكيدا رئيس الوزراء السابق خطة طموحة لمضاعفة الدخل . فقامت بخفض معدلات الفائدة والضرائب للعاملين في القطاع الخاص بهدف تشجيع الإنفاق . ثم قامت بتوسعة نطاق الاستثمار من خلال إنشاء مرافق الطرق السريعة والسكك الحديدية فائقة السرعة والمترو والمطارات والموانئ والسدود وتحرير التجارة .
لقد مهدت فترة النمو الاقتصادي السريع ما بين عامي 1955 و 1961 الطريق أمام الرواج الاقتصادي الذي ارتبط عموما بالمعجزة الاقتصادية اليابانية فيما بعد . وقُدّر إجمالي الناتج المحلي في اليابان عام 1965 بحوالي 91 مليار دولار أمريكي . وبعد خمسة عشر عاما أي في عام 1980 ، ارتفع إجمالي الناتج المحلي إلى رقم قياسي بلغ 1.065 تريليون دولار أمريكي .
فالنقلة النوعية التي أحدثها الشعب الياباني في التاريخ المعاصر ، يعتبر نموذجا يحتذى من قبل شعوب العالم . وكانت الهزيمة التي لحقت به في الحرب العالمية الثانية قد أثارت في نفوس أبنائه الغيرة على بلادهم ، وألهبت الحماس في صدور شبابه والحرص على بناء مستقبلهم وتعزيز مكانتهم بين دول العالم . ولهذا صمموا على البحث عن سبل التقدم والرقي ، مدركين بأن لا سيادة لهم إلا بالعلم وباليد العاملة ، فأصبحت دولتهم رائدة في الصناعات والاختراعات التقنية في العالم ، واستطاعت أن تنهض من تحت الركام ، لتبني اقتصادا وتقدما نموذجيا تقتدي به الكثير من الدول .
وعندما ننظر نحن الأردنيون إلى دولتين من دول جنوب شرق آسيا لا تمتلكان مصادر الثروة الطبيعية هما اليابان وكوريا الجنوبية ، لنرى أن الأولى بدأت نهضتها من الصفر بعد أن خرجت محطمة من الحرب العالمية الثانية ، ونهضت الثانية من حالة الفقر والتخلف ــ كما بينت في مقالة سابقة ــ وحققتا خلال فترة قصيرة معجزات اقتصادية ، وضعتهما في أوائل الدول المتقدمة . بينما نشاهد في الوقت نفسه دولتنا الأردنية تغرق بالديون وتعاني من البطالة والعجز عن التطور ، ينتابنا الألم والحزن الشديدين على مستقبل أجيالنا القادمة ونهاياتنا المأساوية .
ولكي تكتمل المقارنة أقول : بأن صانع معجزة اليابان ” هياتو اكيدا ” كوفئ أعماله بالنسيان . وصانع معجزة كوريا الجنوبية ” الجنرال بارك شونج ” كوفئ بالقتل . أما صانعوا الديون والفشل في مختلف المجالات بهذا البلد ، فقد كوفئوا بأوسمة رفيعة يقع على رأسها أوسمة النهضة عالية الشأن . فأية مفارقة يصنعها القدر في هذا الكون الذي تتناقض به المقاييس بين الأمم؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.